مزج الرسم بالنحت

مزج الرسم بالنحت

الأحد - 5 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13886]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
لا يحتاج المبدع إلى أكثر من فكرة تلمع في الرأس لتلد عملاً جميلاً. وحين رأت هناء مال الله صورة مكبرة لزقورة أور تحتل جدارًا من جدران المتحف البريطاني، عثرت على المفتاح الذي كانت تبحث عنه منذ ضربت طائرتان برجي مركز التجارة في نيويورك. كارثة إرهابية تلقى العراقيون تبعاتها زورًا. وبدل الطائرتين حلقت عشرات الطائرات ودمرت مستقبل أجيال آتية.
لهناء أسلوب يمزج الرسم بالنحت، أي تنطبق عليها صفة فنانة تشكيلية. ولدت في الناصرية، غير بعيد عن الزقورة، وواصلت دراستها في لندن وتعمل أستاذة للتحليل الفني والنقد في البحرين. أما الزقورات، لمن لا يعرف، فهي معابد من أيام سومر وبابل وآشور. وصروح معمارية متدرجة نراها في بلاد ما بين النهرين، أشهرها وأقدمها زقورة أور، ذات الطبقات السبع. باشر ببنائها الملك أورنمو، قبل الميلاد بألفي سنة، وأرادها معبدًا لإلهة القمر نانا. وهي ما زالت ماثلة في الأرض التي ولد فيها إبراهيم الخليل، أبو الأنبياء. الأرض التي مرت عليها دبابات وجرافات عبثت بكنوزها التاريخية، في السنوات الأخيرة، عدا تلك التي فجرتها معاول الإرهابيين في شمال العراق. وفي مقال أخير له من مشارف الموصل، كتب لوي أمبير مراسل صحيفة «لوموند» الباريسية أنه شاهد زقورات نمرود مسواة بالأرض.
خافت هناء مال الله على زقورة طفولتها من سفاهة طيار نزق. وكانت تسمع عن تلك الطائرات الصغيرة المسماة «درون»، تحلق من غير طيار، تتجسس وتضرب وتقتل البشر دون مخاطرة بأرواح المهاجمين. ماذا لو أن طائرة مشبوهة منها ضربت زقورة أور؟ تخيلت المشهد ولم تستطع النوم. ولما اكتملت الفكرة في رأسها نامت وهي تحلم بها. واستيقظت في الصباح واتصلت بتلميذة سابقة لها في معهد الفنون، من أهالي الناصرية. حكت لها عن طائرات صغيرة بدون طيار موجودة في الدول المتقدمة. وجاء جواب التلميذة مدهشًا: «تقصدين الدرون؟ إنها تباع عندنا في سوق الحبوبي».
لم يكن من الصعب استئجار الطائرة أو شراؤها. لكن ريا عبد الرضا، تلميذة هناء مال الله، احتاجت لصبر أيوب قبل أن تحصل على موافقة الجهات الأمنية للدخول بها إلى موقع الزقورة التاريخي. وكان يرافقها مصور سينمائي وآخر فوتوغرافي لتوثيق المغامرة. فقد أطلقت الطائرة لتحلق فوق الزقورة، وهي توجهها من خلال جهاز التحكم الذي بين يديها، بينما كان المصوران يصوران ما تقوم به، وصاحبة الفكرة تتابع المشروع من لندن، بالهاتف. إن المتفرج لا يسمع سوى أزيز طائرة وسط مشهد ينطق بعبق التاريخ وآثار أجداد عاشوا هناك. ثم تلفظ الشمس أنفاسها وتخيم العتمة وينبثق، بعد زمن، صياح الديك. وطبعًا فإن الهدف لم يكن تصوير الزقورة من ارتفاع شاهق، كما يفعلون في الغرب للإطلالة على الصروح المعمارية العملاقة، بل التذكير بأن خطر العدوان ما زال ماثلاً، وأن طائرة «الدرون» ليست أكثر من تمارين على الاستباحة الكاملة.
في وصفه لزقورة أور، قال خبير التنقيبات البريطاني ماكس مالوان أن لا نظير لها في البلاد. كما ألهم منظرها زوجته الروائية أغاثا كريستي. لكن جفنًا لم يرف للبريطانيين وهم ينقلون ما خف، أو ثَقُل، وزنه وغلا ثمنه إلى متاحفهم. ومثلهم فعل المنقبون الفرنسيون والألمان وكل من مر بتلك البلاد التي كانت وما زالت مُشرعة للنهب. والعتب ليس على الغريب بقدر ما على القريب. لذلك فإن هناء مال الله امرأة من نبات تلك الأرض الخصبة، تركز على مقاومة الخراب وانتظار نهاية الطوفان. تدس في جدارياتها هداهد وأغصان زيتون. تحب الرموز والطلاسم والتمائم والتعويذات والإشارات التي تحفظ أثر الروح البشرية. ولم يفارقها الحرز الذي كتبه لها أستاذها شاكر حسن آل سعيد ليحميها من البلادة، آفة القوم الكارهين للجمال. وبفضل تمسكها بالأمل وبنبوءة الفن، جعلت من «الدرون» لعبة أطفال مقابل الزقورة، تتعطل وتسقط حالما يمس البلاستيك حجارة سومر العابرة للعصور.

التعليقات

Zuhair shaaouni
البلد: 
USA
04/12/2016 - 04:01

مرة اخرى تقدم انعام من عبق بلادها زقورةاور هذا الصرح الشامخ هذا مابقى للعراقيين شكرًا انعام لهذا التوثيق الجميل للفنانه مالله او لتلميذتها التي وثقت هي الاخرى لك تحياتي .

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
04/12/2016 - 09:32

"لا يحتاج المبدع الى أكثر من فكرة تلمع في الرأس لتلد عملا جميلا" جميل جداً شكرا لك

كمال الزين
البلد: 
فلسطين
04/12/2016 - 12:48

كأن القلم بين يديدك يا سيدتي يمتلك سحرا أخاذا . لا يفوتني مقال مما تكتبين. كلماتك تملا يومي عذوبة وتفاؤلا في واقعنا العربي الكئيب. حفظك الله من المكاره .

نجوى
البلد: 
الدار البيضاء
04/12/2016 - 16:38

مقال جميل جدا، شكرًا سيدتي العزيزة فبفضلك نتعرف على أشياء جديدة...مزيد من التألق عزيزتي

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة