اللحظة الهندية!

اللحظة الهندية!

الأحد - 5 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13886]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
كل من يعرفني يعرف تمامًا إعجابي الكبير بالهند والهنود. والتطور الحاصل في الهند في السنوات الأخيرة لا يمكن وصفه أبدًا بعبارة أو بكلمة أقل من «مذهل». وهناك قفزات نوعية هائلة في مجالات شتى انعكست آثارها ليس على صعيد الهند الداخلي فحسب، بل أصبحت فائدة تعم بخيرها العالم عمومًا.
في عوالم التحليل السياسي الاقتصادي، يجزم الكثيرون بأن الآن وقت الهند تمامًا، كما كان العقد الماضي من نصيب الصين. الفارق بين البلدين أن الصين لديها طموح عسكري وتوسعي كبير، وهذا لا يمكن أن توصف به الهند. الهند لديها اهتمامات اقتصادية وثقافية في المقام الأول.
اهتمت الهند منذ سنوات طويلة بإحداث نقلة نوعية كاملة في منظومتها التعليمية، وخصوصًا على صعيد التعليم الجامعي، وبدأت بالفعل في حصاد ثمار ذلك. فاليوم لديها جامعة «المعهد الهندي للتقنية»، التي تعتبر من أهم عشرين جامعة في العالم في مجال الإدارة وعلوم التقنية وتخرج فيها كثير من أهم قادة العالم الإداري. هناك كثير من أهم الشركات الكبرى متعددة الجنسية يتبوأ قيادتها هنود.. شركات منها «بيبسي» و«مايكروسوفت» و«سيتي بانك» و«ماستر كارد» وغيرها. الأمية لا تزال تحديًا لافتًا للهند، فهي اليوم تبلغ 30 في المائة، وهو رقم عالٍ وغير مقبول في دولة صناعية طموحة. ولكن اليوم الفرصة سانحة جدًا للهند لإحداث الفرق الكبير. فانخفاض أسعار الطاقة وهبوط أسعار الفائدة وزيادة هائلة في منسوب الأمطار وهبوط معدلات التضخم.. كلها عوامل في غاية الأهمية تساعد على تطوير الاقتصاد الهندي بشقيه الحضري والزراعي، وهو الذي يفسر بشكل واضح النمو الملحوظ في قدرات الطبقة الوسطى بشكل نوعي وكمي وزيادة قدرتها الشرائية في آن واحد.
تعداد السكان في الهند مقارنة بالصين ينمو بشكل أكبر، فهو غير مقيد بسياسات صارمة مثل الصين التي تحد من النسل، وبالتالي من المتوقع أن تسبق الهند الصين في خلال العقد المقبل، لتصبح أكبر دولة في العالم من ناحية عدد السكان. ومع كبر السن الذي سيصيب أعدادًا هائلة من السكان في الصين، ستظل الهند ذات قيمة تنافسية أكبر لوجود أعداد أكبر من الشباب، إضافة إلى الميزة التنافسية للهند في السوق العالمية المفتوحة، وهي إجادة أعداد هائلة من الشعب للغة الإنجليزية، وهي اللغة الأساسية المعتمدة في عالم التجارة. كل هذه المؤشرات الواعدة انعكست على حالة الثقة في الهند والهنود، فاليوم هناك إقبال عالمي عريض وكبير على الثقافة الهندية من طعام ومطاعم وأفلام وموسيقى وروايات ومراجع إدارية والعلاج الطبيعي والطب البديل واليوغا وغاندي، وغير ذلك من الرموز الهندية التي يقبل عليها العالم منهم. كذلك هناك أسماء «هندية» عالمية بات لها حضور لا يمكن إغفاله، فشركة «تاتا» العملاقة والموجودة في قطاعات كثيرة والكل يتابع بإعجاب تجربة شرائها لشركتي «جاكوار» و«لاندروفر» للسيارات والمصنعة في بريطانيا، وكيف تمكنت من إعادة إطلاقهما مجددًا بشكل مبهر وناجح للغاية.
النقلة النوعية المنتظرة والمأمولة لن تكون خالية من التحديات، فهي معروفة لا تزال ببنية تحتية قديمة ومتعبة، وإن كانت نتائج ملامح التغيير بدأت تظهر في افتتاح مطارات جديدة، مثل مومباي وكالكوتا، وكذلك وجود أنظمة ضريبية معقدة وكذلك تعقيدات روتينية في الإدارات الحكومية تؤخر وتعطل المشاريع والأفكار.
الهند لديها خمس عشرة لغة «رسمية» في البلاد، بالإضافة إلى 300 لهجة ولكنة، ومع ذلك حافظت على نفسها كأكبر دولة ديمقراطية مدنية في العالم اليوم. المقارنة بينها وبين باكستان (اللتين كانتا كيانًا واحدًا) بعد استقلال كل منهما مسألة حزينة جدًا. الهند اختارت طريق السوية والعدالة والعلم، وهي اليوم تحصد نتائج ما بنت وما أرست. إنها اللحظة الهندية وهي مسألة يتغنى بها هنود المهجر والناجحون والمنتشرون في أرجاء العالم من بريطانيا وكندا وأستراليا والعالم العربي.. كلهم كانوا ناجحين بالعموم، بل اليوم تصنف الجالية الهندية في أميركا والبالغ عددها مليونين كأنجح جالية في الولايات المتحدة الأميركية وصاحبة المشكلات الأقل عددًا.
اللحظة الهندية مقبلة وعلى العالم الاستعداد لها.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة