حديقة التماثيل

حديقة التماثيل

الثلاثاء - 15 صفر 1438 هـ - 15 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [13867]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
في كتب الصغار حكاية عن أن الإنسان لا يمكن أن يرضي أحدًا مهما فعل. خلاصتها، أن أناسًا مرّوا برجل وابنه ومعهما حمارهما. وكانا راجلين والحمار حرًا. فقال الناس: يا للغباء، يتعبان ويتركان الحمار يرتاح. فقال الأب للابن، هلم بنا إلى ظهر الحمار. فمرت بهما جماعة أخرى، فقالت يا للقسوة، رجلان على ظهر حمار. فقال الأب للابن، أترجّل أنا وتركب أنت. فمرت جماعة فقالت، ابن عاق، يدلل نفسه ويتعب أباه. فقال الأب انزل أنتَ وأطلع أنا، فمر بهما فلاح وصاح، ما هذا النوع من الأبوَّة. فقررا من جديد أن يتركا الحمار حرًا، فمرت بهما الجماعة الأولى وضحكت قائلة، ترى أيَّهم الحمار؟
الحمار هو الذي يصغي لأقوال الخاملين والعاطلين والحاسدين. لا هم آخر لديهم في الحياة. أخبرني زميل عربي أنه أراد أن يظهر على التلفزيون بمظهر الإنسان العادي. وبعد خروجه من الاستوديو، تلقى الاتصالات من أصدقائه: «لماذا الإصرار على المسكنة»؟ وفي البرنامج التالي، ارتدى سترة فوق العادية بقليل، فما إن خرج من الاستوديو حتى تلقى اتصالاً من أحدهم «يا معلم، شو هالجاكيت الحلوة»؟ أحال المسألة على الحمار.
أول مجيئنا إلى لندن اشترينا في الريف منزلاً من غرفتين وحديقة بمبلغ 35 ألف جنيه مقسطة على 25 عامًا بـ400 جنيه شهريًا. كان في الحديقة مجسّمات فخارية للبط والدجاج تركها المالكان السابقان. فرحت بمنزل في الريف، وقررت أن أدعو أصدقائي. وبعد أيام التقيت ناشرًا وصحافيًا ثريًا ومشهورًا فبادرني، فاقعًا ضحكًا وقهقهة: «شو عما يخبرونا؟ جنينة فيها تماثيل»؟
أفهم أن يحسدني ويغضب مني زميل لم يكن قادرًا على تقسيط 35 ألف جنيه على 25 عامًا. أما الرجل فكان صاحب ثروات ومجلات وفيلات ومنازل، فما الذي كان يرضيه يا ترى؟ كان «حديقة التماثيل» من بط ودجاج وسائر الفخاريات التي لا تساوي كلها آنذاك، 50 جنيهًا، هي أول منزل تملكته في حياتي. ولم يغفر لي الرجل ذلك. وراح يبحث عن أسباب ثروتي. وبلغني أنه يتحدث عن ربطات عنقي. وغاب، رحمه الله، من دون أن أعرف السبب. ولم أحاول في أي حال. كنت قد قرأت صغيرًا قصة الحمار والبشر. بعض الظلم لا ينسى ولا يسامح، لشدة ما هو ظلم.

التعليقات

عادل
15/11/2016 - 02:54

ان سعر البيت لم يكن 35 الف جنيه بل كان 120 الف جنيه25.12.400=120000جنيه.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
15/11/2016 - 08:36

وأنا فقعت ضحكاً من عبارة الأستاذ بأن الحمار هو من يصغي لأقاويل الخاملين والعاطلين والحاسدين نظراً لأن سياقها يظهر بأنها "طالعة من القلب" خصوصاً إذا أتت ممن لا تتوافر عنده مبررات ومحفّزات الحسد، ولكنه نوع آخر أكثر دناءةً وهبوطاً من الحسد وهو "إستكثار" ما يملكه الآخرين عليهم، بالفعل فإن التعرض لموقف مع أحد من هؤلاء كما أورد الأستاذ يصعب نسيانه أو التسامح معه، ولكن أقول لإستاذنا لا تبتئس فكثرٌ هم من مروا بتجربتك.

يحيي صابر .. كاتب ومؤرخ نوبي
البلد: 
مصر
15/11/2016 - 09:35

رضا الناس غاية لاتدرك .. المهم ان اعمل ما يرضي ضميري ..المهم ان لا انظر الي غيري .. ولو نظرت كي استفيد من تجاربهم .. ولكن حتما ليس كل ما نفعله سيرضي عنه الجميع .. حتي في السياسة وهي واحة الجميع تعليقا ومدحا وذما لايمكننا جميعا ان نتفق علي رأي .. المهم ان اقول رأيي ويكون الرأي مستندا علي معطيات عقلية وبراهين يمكن الدفاع بموجبه ولكن ان نستند الي البراهين العاطفية فتلك هي التي ادت الي فشلنا في عالمنا العربي .. يجب ان ننحي العاطفة ونعطي المجال للمنطق والعقل والمصلحة العامة حتي نرتقي ونصل الي ما وصله العالم الحر من تقدم ورفاهية .. تشرشل كسب الحرب ضد الالمان والمحور ..ولكنه لم يكسب الانتخابات فيما بعد ..ادي دوره كما يجب في وقت كان مطوبا فيه ولكن فيما بعد الوقت ولا الزمن كان زمنه . نحن نحكم علي الحاكم بالمؤبد في الحكم حتي يخرج منه الي مثواه الاخير

تراحيب عبدالله الرويس
15/11/2016 - 11:22

فعلاً لا أحد يستطيع أن يرضي الناس مهما فعل. والغيرة شعور بشري متوقع، لكن اللا متوقع هو الحسد وإستنكار الخير لمن وهبه الله شيئاً من فضله. قد نتفهم أن يغار الفقير وربما يحقد أيضاً، ولن نبحث عن تفسير، لأن الفقر خير تفسير لذلك. المعضلة هي غيرة وحسد وحقد الثري من نعمة وهبها الله أحدهم، وهي بسيطة مقارنة بما يملك، وأتوقع أن السبب هو شعور غريب يجعله يحلم أن يكون هو دائماً الثري والمتميز في ما يملك، لا أحد غيره، لذلك يغضبه أن يتملك رجل منزل مع حديقة بها تماثيل. لا أجد تفسير آخر، وإن ظلت المسألة قائمة، لعلنا نعود إلى قصة الحمار والبشر، لنبحث عن السبب الغريب، والرضى المستحيل.

سمير عطاالله
البلد: 
لبنان
15/11/2016 - 15:27

من سمير عطاالله إلى القارى الكريم عادل،
لقد دفعت ثمن بيتي 35 الف جنيه استرليني. وارجو أن لا تكذبني مرة أخرى. أما حساباتك الدقيقة فهي تشمل الفوائد التي دفعتها على 25 عاما

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة