تنظم النمسا، السبت الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، للمرة الـ17، البرنامج الأوروبي «ليلة المتاحف الطويلة»، حيث تظل المتاحف المشاركة مفتوحة من السادسة مساء حتى الواحدة صباحا، مقابل بطاقة سعرها 15 يورو، تسمح بزيارة أي عدد من المتاحف، كما تسمح باستخدام وسائل المواصلات العامة حتى الساعة الثالثة صباحا. وتباع البطاقة مخفضة للطلاب والمتقاعدين، ويكون الدخول مجانيا للصغار دون 12 سنة.
من جانبها، تحتفي المدن ومقاهيها ومطاعمها بالحشود الألفية التي تظل في حركة دؤوبة وحماس من متحف لآخر، خصوصًا الأسر العاملة التي تنتهز تلك الفرصة التنويرية لتثقيف صغارها والنزهة معهم.
ويزيد عدد المتاحف النمساوية عاما بعد عام، وأحدثها متحف «البيت 21» الذي يركز على الفنون النمساوية ما بعد عام 1945، كما يستضيف فنونا عالمية معاصرة، ويعرض حاليا عملا ضخما للفنان الصيني الأشهر اي واي.
وتشارك العاصمة فيينا هذا العام بـ150 متحفا لمختلف الأغراض، ومن مختلف الأنواع والأحجام، مما يتتطلب من الراغبين في الاستمتاع والاستفادة بالمناسبة دراسة كتيب خاص يقدم عرضا شاملا لكل المتاحف المشاركة وعناوينها حتى يسهل الاختيار سريعا، ولا يضيع الوقت، خصوصا مع كثافة الحضور، وضرورة الانتقال من موقع لآخر، ناهيك بأهمية التركيز والمشاهدة المتأنية للوقوف على المحتويات كافة، لا سيما أن لبعض المتاحف متعة لا تضاهى.
ومن المتاحف المشاركة المتاحف العلمية والتقنية والعسكرية الحربية والصناعية والتعليمية والجغرافية والتاريخية والفنية لمختلف أنواع الفنون، سواء لوحات أو موسيقى أو مسرح أو تصوير، كما نجد قصورا كانت بمثابة سكن خاص، ثم فتحت للعامة كمتاحف، ومنها على سبيل المثال قصر البلفدير بالمنطقة الرابعة الذي اكتمل بناؤه في عام 1723 كسكن لمالكه الجنرال يوجين أوف سافوي، ويضم قصرين متقابلين تفصلهما حديقة شاسعة من أجمل الحدائق.
ويزخر البلفدير بلوحات نادرة لغوستاف كليمت، أشهر الرسامين النمساويين، بالإضافة للوحات أخرى، ويستفاد منه كأرض معارض، إلى جانب كونه محفلا معماريا مذهلا يعود للعصر الباروكي.
ومن المساكن التي تحولت إلى متحف كذلك قصر «الالبرتينا» بالمنطقة الأولى الذي شيده أرستقراطي برتغالي في الأعوام 1742 – 1745، وتنقل من مالك لآخر، وحصل عليه الديوك البرت أوف ساكسون كهدية زواج عند اقترانه بماريا كرستينا، بنت الإمبراطورة ماريا تريزا.
وتعتبر الالبرتينا حاليا واحدة من أكبر وأهم غرف المطبوعات عالميا، وبها 65 ألف لوحة فنية، بالإضافة لأعمال تخطيطية حديثة وصور ورسومات معمارية، هذا بجانب ما تستضيفه دوريا من معارض لأهم الفنانين، وتتوفر بالالبرتينا أكبر مجموعة لأعمال بيكاسو بالنمسا.
هذا بالإضافة لأكثر من متحف يتبع لقصر الهوفبورغ الذي كان مقرا شتويا لأباطرة الهابسبورغ، ومن أهمها متحف مقتنيات وجواهر الإمبراطورة سيسي، ومتحف أواني الهابسبرغ (وما أفخمها من أوانٍ)، ولكم أن تتصوروا مدى حرفية جواهر الإمبراطورة إليزابيث، أو سيسي كما ينادونها، وهي آخر إمبراطورات النمسا والأكثر شعبية، كما أن هناك قصر الشونبرون الذي كان مقرا صيفيا. من جانب آخر، هناك عدد من المتاحف التي كانت سكنا لفنانين، مثل متحف موتزارت ومتحف بيتهوفن، أو عيادة لعلماء، مثل متحف سيغموند فرويد، أب الطب النفسي.
إلى ذلك، يظل متحف تاريخ الفن أفخم وأكبر متاحف ليس فيينا والنمسا فحسب، وإنما من أهم المتاحف عالميا، ليس فقط لمحتوياته التي تضم أكبر عدد من الهدايا التي قدمت لأباطرة الهابسبرغ الذين حكموا لأكثر من 400 سنة، وظل أفراد من تلك العائلة يحكمون حتى الحرب العالمية الأولى، بل وحتى لبنيانه المذهل بالغ الجمال.
ومن محتوياته، بالإضافة للوحات تعود لأشهر فناني العصور الوسطى، مجموعة نادرة لأزياء فرسان تلك العصور، وتماثيل ومنحوتات يوناينة ورومانية وآثار فرعونية، من بينها أعمدة شاهقة. وقد أسس هذا المتحف عام 1891.
وعادة من يزور هذا المتحف في ليلة المتاحف الطويلة يستسهل زيارة متحف التاريخ الطبيعي، ورؤية ديناصوراته ومعروضاته الطبيعية النادرة، إذ يتجاور المتحفان وتختلف معروضاتهما اختلافا بينا، مما يزيد من فرصة المعرفة.
ولا تفصل المتحفان سوى حديقة يتوسطها تمثال ضخم للإمبراطورة ماريا تريزا التي حكمت 60 عاما، ولعبت دورا كبيرا في تحويل قلب فيينا إلى منارة ثقافية وفنية ومعمارية تتوسط مدينة تنعم بأساليب الحياة الحديثة.
ومعلوم أن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والفنون (اليونيسكو) قد أدرجت هذه المنطقة ضمن قائمتها للمحميات التاريخية العالمية، وذلك لما تحتويه هذه المنطقة من تراث غني بالثقافة المتنوعة والتاريخ الحافل والفن المميز، خصوصا أنها تعود لأكثر من حقبة كالعصور الوسطى، وخير ما يمثلها كاتدرائية القديس استيفان قوطية الطابع،
كما تزخر المنطقة بأبنية من عصر الباروك كقصر الهوفبورغ، فيما تعود مبانٍ هامة لفترة نهاية القرن التاسع عشر، وتعتبر تحفا معمارية، مثل مبنى الأوبرا.
وفي سياق آخر، تعتبر بعض متاحف فيينا حديثة البنيان، وأشهرها متاحف «Museums Quartier» بالحي السادس، وهو مجمع كامل يشتهر بجدته، ويزخر بأجواء شبابية، ويضم مقاهي ومطاعم بسيطة، ومن أكثر ما يعرف عن ساحته أن لون مقاعدها «مميز» يتجدد ويتغير كل صيف، وفقا لاستفتاء إلكتروني يشارك فيه من يشاء من سكان المدينة.
ومن أشهر متاحف هذا المجمع متحف موموك، ومتحف ليوبولد الذي أسسه الثنائي رودلف ليوبولد وزوجته إليزابيث اللذين أخذا على عاتقهما إبقاء كثير من اللوحات التي طالب ملاك يهود باسترجاعها بدعوى أن النظام النازي صادرها، أو أجبرهم على بيعها، أو سرقتها. وقضايا الفن المسروق قضايا تواجهها متاحف نمساوية من وقت لآخر، وقد تم بالفعل استعادة بعض اللوحات بعد سنين من مطاولات قانونية. في سياق آخر، تزخر فيينا بكثير من المتاحف النادرة، كمتحف المدافن بالمقبرة الرئيسية بالمنطقة الحادية عشر، ومتحف تقاليد الدفن بالمنطقة الرابعة، حيث التركيز على تاريخ تقاليد وأساليب الدفن وبروتوكولاته وموضاته ونوعية التوابيت، وأمثلة لحاويات رماد الجثث التي يوصي أصحابها بحرقهم، ومنهم من يتم تحويل رمادهم إلى «جواهر» بضغط الرماد كثاني أكسيد كربون تحت درجات حرارة عالية، ومن ثم تشكيله إلى قلادة أو مشبك أو جوهرة تزين خاتم زوجة أو حفيدة. وبشيء من التقنية المعملية يمكن إضفاء بريق أكثر لمعانا للجواهر التي يصنعونها من بقايا أمواتهم.
وفيما تغطي بعض المتاحف الكبيرة أكثر من موضوع، تزخر المدينة بالمتاحف المتخصصة الصغيرة، ومنها على سبيل المثال متحف «الرجل الثالث» الذي يوثق لفيلم جاسوسي بذات الاسم، إنجليزي الإنتاج، حصد جوائز عالمية، منها الأوسكار والسعفة الذهبية، وكان تصويره قد جرى بفيينا أواخر سنوات الحرب العالمية الثانية والمدينة مهدمة جريحة، ومن أشهر مشاهده مطاردات جرت داخل المجاري تحت الأرض.
ومن المتاحف الصغيرة المتخصصة متحف للأفران والدفايات، ومتحف للغة الاسبرانتو التي ظن مخترعها أنها يمكن ان تصبح لغة عالمية توحد العالم، إلا أنه لم تعتمدها أي دولة كلغة رسمية، ولا يزال عدد من يتحدثونها محدودا.
ومن المتاحف المرعبة متحف الجريمة، حيث جماجم اخترقها رصاص، وأشلاء تم تحنيطها بأحدث الطرق، مع شروحات مفصلة لأغرب الجرائم. وبمتحف وسائل التعذيب، يفيض المكان بأغرب طرق وأدوات التعذيب والحرق والسحل والإعدام.
أما أقبح المتاحف وأكثرها إثارة للحزن، فهو ذلك المبنى الذي يعتبر الأقدم أوروبيا لحبس المصابين بأمراض نفسية، والذي شيد عام 1784. ومن المتاحف الخاصة بالملبوسات متحف القبعات، ومتحف الأحذية، ومتحف الساعات. أما المتاحف الطريفة الخفيفة، فمنها متحف تاريخ السيرك، ومتحف الفراش الذي يضم 400 نوع من الفراشات الحية، ومتحف القهوة، ومتحف الشوكولاته، ومن أسخفها متحف الاختراعات التي لا فائدة ترجى منها. ومن تلك المثيرة للجدل متحف وسائل منع الحمل، وتاريخ طرق الإجهاض، كما تلاحق كثير من الآراء غير المتفقة متحف الفن المزور.
إلى ذلك، يبقى متحف الـ«سيسيون» أو متحف الحركة الفنية الانفصالية، بقبته الذهبية المطرزة، أقوى مثال للحركات الفنية الثورية خروجا ورفضا للأطر الفنية الكلاسيكية. وفي هذا السياق، تزين مدخل المتحف عبارة: «لكل زمان فنه، ولكل فن حريته».
وقد أسس الحركة الانفصالية في عام 1897 عدد من أشهر فناني فيينا الشباب، بقيادة غوستاف كليمت وكولمان موسر وجوزيف هوفمان، ممن أعلنوا خروجهم من رابطة كانت تجمع عموم الفنانين، داعين لـ«استايل حر» دون قيود يوثق لحياة الإنسان حتى الخاص منها.
ومما يجدر ذكره أن هوفر وهوفمان انفصلا عن كليمت ومجموعته في عام 1903. وفي عام 1905، أعلن كليمت انفصاله عن الجميع، معتمدا أسلوبا جديدا وألوانا وموضوعات غير معهودة، مما أكسب الحركة الفنية النمساوية كثيرا من الزخم والتجديد.
فيينا وليلة المتاحف الطويلة
تذكرة موحدة تسمح بزيارة أي عدد منها حتى الواحدة صباحاً
يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})
فيينا وليلة المتاحف الطويلة
يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

