فيينا وليلة المتاحف الطويلة

تذكرة موحدة تسمح بزيارة أي عدد منها حتى الواحدة صباحاً

يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})
يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})
TT

فيينا وليلة المتاحف الطويلة

يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})
يضم المتحف لوحات نادرة لغوستاف مكليمنت أشهر رسامي النمسا ({الشرق الأوسط})

تنظم النمسا، السبت الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، للمرة الـ17، البرنامج الأوروبي «ليلة المتاحف الطويلة»، حيث تظل المتاحف المشاركة مفتوحة من السادسة مساء حتى الواحدة صباحا، مقابل بطاقة سعرها 15 يورو، تسمح بزيارة أي عدد من المتاحف، كما تسمح باستخدام وسائل المواصلات العامة حتى الساعة الثالثة صباحا. وتباع البطاقة مخفضة للطلاب والمتقاعدين، ويكون الدخول مجانيا للصغار دون 12 سنة.
من جانبها، تحتفي المدن ومقاهيها ومطاعمها بالحشود الألفية التي تظل في حركة دؤوبة وحماس من متحف لآخر، خصوصًا الأسر العاملة التي تنتهز تلك الفرصة التنويرية لتثقيف صغارها والنزهة معهم.
ويزيد عدد المتاحف النمساوية عاما بعد عام، وأحدثها متحف «البيت 21» الذي يركز على الفنون النمساوية ما بعد عام 1945، كما يستضيف فنونا عالمية معاصرة، ويعرض حاليا عملا ضخما للفنان الصيني الأشهر اي واي.
وتشارك العاصمة فيينا هذا العام بـ150 متحفا لمختلف الأغراض، ومن مختلف الأنواع والأحجام، مما يتتطلب من الراغبين في الاستمتاع والاستفادة بالمناسبة دراسة كتيب خاص يقدم عرضا شاملا لكل المتاحف المشاركة وعناوينها حتى يسهل الاختيار سريعا، ولا يضيع الوقت، خصوصا مع كثافة الحضور، وضرورة الانتقال من موقع لآخر، ناهيك بأهمية التركيز والمشاهدة المتأنية للوقوف على المحتويات كافة، لا سيما أن لبعض المتاحف متعة لا تضاهى.
ومن المتاحف المشاركة المتاحف العلمية والتقنية والعسكرية الحربية والصناعية والتعليمية والجغرافية والتاريخية والفنية لمختلف أنواع الفنون، سواء لوحات أو موسيقى أو مسرح أو تصوير، كما نجد قصورا كانت بمثابة سكن خاص، ثم فتحت للعامة كمتاحف، ومنها على سبيل المثال قصر البلفدير بالمنطقة الرابعة الذي اكتمل بناؤه في عام 1723 كسكن لمالكه الجنرال يوجين أوف سافوي، ويضم قصرين متقابلين تفصلهما حديقة شاسعة من أجمل الحدائق.
ويزخر البلفدير بلوحات نادرة لغوستاف كليمت، أشهر الرسامين النمساويين، بالإضافة للوحات أخرى، ويستفاد منه كأرض معارض، إلى جانب كونه محفلا معماريا مذهلا يعود للعصر الباروكي.
ومن المساكن التي تحولت إلى متحف كذلك قصر «الالبرتينا» بالمنطقة الأولى الذي شيده أرستقراطي برتغالي في الأعوام 1742 – 1745، وتنقل من مالك لآخر، وحصل عليه الديوك البرت أوف ساكسون كهدية زواج عند اقترانه بماريا كرستينا، بنت الإمبراطورة ماريا تريزا.
وتعتبر الالبرتينا حاليا واحدة من أكبر وأهم غرف المطبوعات عالميا، وبها 65 ألف لوحة فنية، بالإضافة لأعمال تخطيطية حديثة وصور ورسومات معمارية، هذا بجانب ما تستضيفه دوريا من معارض لأهم الفنانين، وتتوفر بالالبرتينا أكبر مجموعة لأعمال بيكاسو بالنمسا.
هذا بالإضافة لأكثر من متحف يتبع لقصر الهوفبورغ الذي كان مقرا شتويا لأباطرة الهابسبورغ، ومن أهمها متحف مقتنيات وجواهر الإمبراطورة سيسي، ومتحف أواني الهابسبرغ (وما أفخمها من أوانٍ)، ولكم أن تتصوروا مدى حرفية جواهر الإمبراطورة إليزابيث، أو سيسي كما ينادونها، وهي آخر إمبراطورات النمسا والأكثر شعبية، كما أن هناك قصر الشونبرون الذي كان مقرا صيفيا. من جانب آخر، هناك عدد من المتاحف التي كانت سكنا لفنانين، مثل متحف موتزارت ومتحف بيتهوفن، أو عيادة لعلماء، مثل متحف سيغموند فرويد، أب الطب النفسي.
إلى ذلك، يظل متحف تاريخ الفن أفخم وأكبر متاحف ليس فيينا والنمسا فحسب، وإنما من أهم المتاحف عالميا، ليس فقط لمحتوياته التي تضم أكبر عدد من الهدايا التي قدمت لأباطرة الهابسبرغ الذين حكموا لأكثر من 400 سنة، وظل أفراد من تلك العائلة يحكمون حتى الحرب العالمية الأولى، بل وحتى لبنيانه المذهل بالغ الجمال.
ومن محتوياته، بالإضافة للوحات تعود لأشهر فناني العصور الوسطى، مجموعة نادرة لأزياء فرسان تلك العصور، وتماثيل ومنحوتات يوناينة ورومانية وآثار فرعونية، من بينها أعمدة شاهقة. وقد أسس هذا المتحف عام 1891.
وعادة من يزور هذا المتحف في ليلة المتاحف الطويلة يستسهل زيارة متحف التاريخ الطبيعي، ورؤية ديناصوراته ومعروضاته الطبيعية النادرة، إذ يتجاور المتحفان وتختلف معروضاتهما اختلافا بينا، مما يزيد من فرصة المعرفة.
ولا تفصل المتحفان سوى حديقة يتوسطها تمثال ضخم للإمبراطورة ماريا تريزا التي حكمت 60 عاما، ولعبت دورا كبيرا في تحويل قلب فيينا إلى منارة ثقافية وفنية ومعمارية تتوسط مدينة تنعم بأساليب الحياة الحديثة.
ومعلوم أن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والفنون (اليونيسكو) قد أدرجت هذه المنطقة ضمن قائمتها للمحميات التاريخية العالمية، وذلك لما تحتويه هذه المنطقة من تراث غني بالثقافة المتنوعة والتاريخ الحافل والفن المميز، خصوصا أنها تعود لأكثر من حقبة كالعصور الوسطى، وخير ما يمثلها كاتدرائية القديس استيفان قوطية الطابع،
كما تزخر المنطقة بأبنية من عصر الباروك كقصر الهوفبورغ، فيما تعود مبانٍ هامة لفترة نهاية القرن التاسع عشر، وتعتبر تحفا معمارية، مثل مبنى الأوبرا.
وفي سياق آخر، تعتبر بعض متاحف فيينا حديثة البنيان، وأشهرها متاحف «Museums Quartier» بالحي السادس، وهو مجمع كامل يشتهر بجدته، ويزخر بأجواء شبابية، ويضم مقاهي ومطاعم بسيطة، ومن أكثر ما يعرف عن ساحته أن لون مقاعدها «مميز» يتجدد ويتغير كل صيف، وفقا لاستفتاء إلكتروني يشارك فيه من يشاء من سكان المدينة.
ومن أشهر متاحف هذا المجمع متحف موموك، ومتحف ليوبولد الذي أسسه الثنائي رودلف ليوبولد وزوجته إليزابيث اللذين أخذا على عاتقهما إبقاء كثير من اللوحات التي طالب ملاك يهود باسترجاعها بدعوى أن النظام النازي صادرها، أو أجبرهم على بيعها، أو سرقتها. وقضايا الفن المسروق قضايا تواجهها متاحف نمساوية من وقت لآخر، وقد تم بالفعل استعادة بعض اللوحات بعد سنين من مطاولات قانونية. في سياق آخر، تزخر فيينا بكثير من المتاحف النادرة، كمتحف المدافن بالمقبرة الرئيسية بالمنطقة الحادية عشر، ومتحف تقاليد الدفن بالمنطقة الرابعة، حيث التركيز على تاريخ تقاليد وأساليب الدفن وبروتوكولاته وموضاته ونوعية التوابيت، وأمثلة لحاويات رماد الجثث التي يوصي أصحابها بحرقهم، ومنهم من يتم تحويل رمادهم إلى «جواهر» بضغط الرماد كثاني أكسيد كربون تحت درجات حرارة عالية، ومن ثم تشكيله إلى قلادة أو مشبك أو جوهرة تزين خاتم زوجة أو حفيدة. وبشيء من التقنية المعملية يمكن إضفاء بريق أكثر لمعانا للجواهر التي يصنعونها من بقايا أمواتهم.
وفيما تغطي بعض المتاحف الكبيرة أكثر من موضوع، تزخر المدينة بالمتاحف المتخصصة الصغيرة، ومنها على سبيل المثال متحف «الرجل الثالث» الذي يوثق لفيلم جاسوسي بذات الاسم، إنجليزي الإنتاج، حصد جوائز عالمية، منها الأوسكار والسعفة الذهبية، وكان تصويره قد جرى بفيينا أواخر سنوات الحرب العالمية الثانية والمدينة مهدمة جريحة، ومن أشهر مشاهده مطاردات جرت داخل المجاري تحت الأرض.
ومن المتاحف الصغيرة المتخصصة متحف للأفران والدفايات، ومتحف للغة الاسبرانتو التي ظن مخترعها أنها يمكن ان تصبح لغة عالمية توحد العالم، إلا أنه لم تعتمدها أي دولة كلغة رسمية، ولا يزال عدد من يتحدثونها محدودا.
ومن المتاحف المرعبة متحف الجريمة، حيث جماجم اخترقها رصاص، وأشلاء تم تحنيطها بأحدث الطرق، مع شروحات مفصلة لأغرب الجرائم. وبمتحف وسائل التعذيب، يفيض المكان بأغرب طرق وأدوات التعذيب والحرق والسحل والإعدام.
أما أقبح المتاحف وأكثرها إثارة للحزن، فهو ذلك المبنى الذي يعتبر الأقدم أوروبيا لحبس المصابين بأمراض نفسية، والذي شيد عام 1784. ومن المتاحف الخاصة بالملبوسات متحف القبعات، ومتحف الأحذية، ومتحف الساعات. أما المتاحف الطريفة الخفيفة، فمنها متحف تاريخ السيرك، ومتحف الفراش الذي يضم 400 نوع من الفراشات الحية، ومتحف القهوة، ومتحف الشوكولاته، ومن أسخفها متحف الاختراعات التي لا فائدة ترجى منها. ومن تلك المثيرة للجدل متحف وسائل منع الحمل، وتاريخ طرق الإجهاض، كما تلاحق كثير من الآراء غير المتفقة متحف الفن المزور.
إلى ذلك، يبقى متحف الـ«سيسيون» أو متحف الحركة الفنية الانفصالية، بقبته الذهبية المطرزة، أقوى مثال للحركات الفنية الثورية خروجا ورفضا للأطر الفنية الكلاسيكية. وفي هذا السياق، تزين مدخل المتحف عبارة: «لكل زمان فنه، ولكل فن حريته».
وقد أسس الحركة الانفصالية في عام 1897 عدد من أشهر فناني فيينا الشباب، بقيادة غوستاف كليمت وكولمان موسر وجوزيف هوفمان، ممن أعلنوا خروجهم من رابطة كانت تجمع عموم الفنانين، داعين لـ«استايل حر» دون قيود يوثق لحياة الإنسان حتى الخاص منها.
ومما يجدر ذكره أن هوفر وهوفمان انفصلا عن كليمت ومجموعته في عام 1903. وفي عام 1905، أعلن كليمت انفصاله عن الجميع، معتمدا أسلوبا جديدا وألوانا وموضوعات غير معهودة، مما أكسب الحركة الفنية النمساوية كثيرا من الزخم والتجديد.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».