طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

أريد حبًا وحنانًا

ليس هذا عنوانًا لفيلم شهير لعبت بطولته ميرفت أمين وفريد شوقي وعادل أدهم منذ أكثر من 35 عامًا، ولكن كانت تلك هي مشاعر الفنان الكبير يوسف شعبان قبل أن يتم تكريمه في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عن مشوار فني عريض بدأ في الستينات من القرن الماضي، ولا يزال مستمرًا، لاحظت أن النجم الكبير (80 عامًا) يُمسك بالعصا متكئا عليها في الصباح، إلا أنه عندما نادت في المساء على اسمه مذيعة الحفل أيتن عامر وكأنها اختصرت سنوات من عمره، لنشاهده في كامل لياقته الصحية والذهنية، وأمسك بالميكرفون على المسرح قائلا إنه فعلا كان ينتظر تلك اللحظة التي يشعر فيها بالحب والحنان.
الفنان بالطبع في مشواره يتأرجح بين لحظات ذروة وألق وأخرى يخبو فيها الضوء ويتضاءل بالوهج، والتليفون الذي كان لا يتوقف عن الرنين ما بين منتج يرشحه لدور ومعجب يعبر عن مشاعره، يصاب بالخرس، وفي تلك الأثناء تأكد أن كلمة صادقة قد تفعل الكثير.
كم أسأنا لفنانينا عندما تركناهم نهبًا للاكتئاب بسبب التجاهل، والأمثلة متعددة لعدد من الكبار، وكيف أنهم قبل أن يغادرونا لاقوا الكثير من العنت والتجاهل، ربما كان إسماعيل ياسين أحد الأمثلة الصارخة، حيث كان اسمه على أفيشات الأفلام يُدر الكثير من الأموال على صُناع السينما، ولكن منذ منتصف الستينات بدأت الدنيا تُظهر له الوجه الآخر، وأفلامه تتذيل قائمة الإيرادات، نعم عانى إسماعيل ياسين ماديًا، ولكن أرى أن المعاناة الحقيقية لم تكن في تضاؤل المال، ولا حتى في عودته للعمل مونولوجست في شارع الهرم، وكان يلقي النكات ويقول له الجمهور «قديمة يا سُمعة»، ولكن عندما لم يفكر أحد أن يمنحه جائزة، ويقول له أسعدتنا في مرحلة من حياتنا، توقفوا فقط أمام لقطة الهزيمة الفنية لإسماعيل ياسين.
هناك فنانون على الجانب الآخر كان الزمن كريمًا معهم مثل فاتن حمامة التي ظلت طوال حياتها وهي محط تكريم من الجمهور والمهرجانات بل والجامعات، فلقد منحتها مثلاً الجامعة الأميركية في بيروت شهادة دكتوراه فخرية قبل رحيلها بعامين، وقبلها كرمها مهرجان «دبي» السينمائي، وظلت حتى اللحظات الأخيرة ترشح لبطولة الأفلام وتنهال عليها التكريمات، بينما هناك فنانون مثل مريم فخر الدين، وهي من جيل فاتن لم يقل لها أحد شكرًا إلا بعد رحيلها.
أتذكر نجمة الكوميديا في الخمسينات زينات صدقي عندما قرروا تكريمها في عيد الفن قبل 40 عامًا، وأحضروا لها فستانًا تصعد به على المسرح لتسلم الجائزة من رئيس الجمهورية أنور السادات، لأنها لم تكن قادرة على شرائه، وفي تلك اللحظة فقط قالت شعرت أنني أتنفس الحياة.
كثير من الفنانين اعتبروا أنفسهم جنودًا لا يغادرون مواقعهم حتى كلمة النهاية، مثل محمود المليجي الذي كان يقول «أتمني أن أظل جنديًا في الميدان، على أن أجد نفسي جنرالاً متقاعدًا»، وتحققت رغبته ورحل أثناء تصوير مشهده الأخير من فيلم «أيوب» أمام عمر الشريف، وكان يقول إن التكريم للفنان هو في تجدد عطائه.
كان يوسف شعبان نقيبًا للممثلين المصريين قبل ربع قرن، وكثيرًا ما استشعر أن واجبه كنقيب ألا يمنح فقط الفنان الذي يعاني الاحتياج مساعدات مادية، ولكنه أيقن أن الفنان مهما كانت حالته المادية، فإنه يحتاج أكثر إلى من يحنو عليه، وهكذا جاء تكريم يوسف شعبان في مهرجان الإسكندرية بمزيج من الحب والحنان، ورأيته يعود شابًا على المسرح!