التحالفات الغريبة في معركة الأسرار الحكومية

التحالفات الغريبة في معركة الأسرار الحكومية

الأحد - 9 ذو الحجة 1437 هـ - 11 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13802]
إدارة الرئيس أوباما هي أكثر الإدارات الأميركية شفافية على الإطلاق.
تكرر هذه المزحة نفسها بنفسها في كل وقت تقريبا. فهي نفس الإدارة التي وصمت مراسل شبكة «فوكس نيوز» بالتآمر المشترك في قضية التسريب الشهيرة. وهي نفس الإدارة التي اقتطعت أجزاء من شريط للفيديو في الأرشيف وفيه تعترف المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الأميركية بأنها ضللت الصحافة حول المفاوضات مع إيران. وهي نفس الإدارة أيضًا التي احتكمت لقانون التجسس في قضيتها ضد التسريبات في أكثر من مناسبة وأكثر مما فعلت الإدارات السابقة عليها جميعها. هل ما زلتم في حاجة إلى المزيد؟
ولكن بالنسبة لمراقب واحد مهتم، فتلك المزاعم لا تتسم بذلك القدر من السخافة. فلقد أخبرني ستيف افترغود، مدير مشروع السرية الحكومية لدى اتحاد العلماء الأميركيين يوم الأربعاء الماضي قائلا: «أدرك أنني قد أكون وحدي أنا صاحب هذه المقولة، ولكنني أعتقد أن إدارة أوباما هي أكثر الإدارات الأميركية شفافية بحق».
وأنا لا أتفق معه في ذلك، ولكن الأمر يستحق الاستماع لصوت افترغود، ولا سيما بعد عام من الآن بعدما يغير الكثير من اللاعبين التقليديين في حلبة السرية الحكومية مواقفهم الحالية. في مساء الثلاثاء، تودد شون هانيتي، وهو من أبرز المذيعين المعجبين بدونالد ترامب في شبكة «فوكس نيوز» ، إلى جوليان أسانغ مؤسس موقع «ويكيليكس». وفي صباح اليوم التالي، صرح مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر أمام أحد المؤتمرات بأن مجتمع الاستخبارات الأميركي يصنف الكثير من المعلومات بأنها سرية للغاية.
وافترغود، الذي ظل يقاتل الحكومة لأن تكون أكثر انفتاحًا وشفافية على الجماهير منذ عقد التسعينات، تأخذه وجهة نظر بعيدة المدى عندما يتعلق الأمر بالإفراط في سرية المعلومات الحكومية، حيث يقول: «هناك خطوات إلى الأمام كما أن هناك تقهقرًا إلى الخلف»، مشيرًا إلى الكم الذي تنشره الوكالات الحكومية من البيانات ذات الحساسية على شبكة الإنترنت في فترة التسعينات، لا لشيء إلا لكي نرى تلك المعلومات وقد أصبحت سرية للغاية مرة أخرى في أعقاب هجمات سبتمبر (أيلول) الشهيرة.
ورغم ذلك، فإن افترغود ينعم بالسعادة للمسار الذي تتخذه الأمور الآن، حيث قال لي: «إذا ما رجعت خطوة إلى الوراء لتلقي نظرة على الاتجاهات بأمدها البعيد، فهي تميل نحو الإفصاح بأكثر من السرية عما كان عليه الأمر. بما في ذلك أكثر مجالات سياسة الأمن القومي حساسية مثل الاستخبارات والأساليب النووية. فهناك المزيد من المعلومات تطرح في المجال العام حول عمليات الاستخبارات الحالية بأكثر من أي وقت مضى».
دعونا نضف بعض المعلومات إلى هذه المسألة استيضاحًا لفحواها. في عهد الرئيس أوباما، كشفت الحكومة وللمرة الأولى عن عدد الرؤوس النووية في الترسانة الحربية الأميركية، والمبلغ الإجمالي لميزانية الاستخبارات، والمبررات القانونية لسياسات الطائرات من دون طيار السرية، إلى جانب المذكرات التي بررت ورسخت من الأرضية القانونية لعمليات الاستجواب القسرية من جانب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
ومن زاوية رفع السرية عن تاريخ الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، اعتمدت إدارة الرئيس أوباما على أعمال إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون. على سبيل المثال، قاتلت وكالة الاستخبارات المركزية لسنوات طويلة في المحاكم من أجل الكشف عن التقرير الرئاسي اليومي، وحتى بعد عقود من إصدار تلك التقارير. وأعلنت الوكالة خلال هذا العام أنها تعتزم البدء في رفع السرية عن تلك التقارير بالنسبة لإدارة الرئيسين نيكسون وفورد فقط.
وإذا كان الرئيس كلينتون أو جورج دبليو بوش هو من طبق هذه السياسات، فسوف يكون الأمر أكبر بكثير مما هو عليه الآن. ولكن أوباما فعل ذلك في عصر التسريبات الهائلة، حيث يمكن لموظفين صغار مثل الرقيب تشيلسي مانينغ أو الموظف الأسبق لدى وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن، أن يكشفا عن كنوز من الأسرار الدفينة للجمهور في كل مكان.
وكانت استجابة الرئيس أوباما على تلك التسريبات الضخمة من الأسباب التي جعلت عددًا قليلاً للغاية من الناس يأخذون مفاخرته بالشفافية على محمل الجد. ولقد تعرض مانينغ للتعذيب داخل الجيش خلال فترات احتجازه الأولى، مع مراقبته لمدة 24 ساعة متواصلة والرجل على حافة الانتحار. ولم تكن وزارة العدل في إدارة أوباما مستعدة لعقد صفقة مع سنودن يُسمح له بموجبها بالعودة إلى الوطن من روسيا. ثم جاء قرار الإدارة بتمديد مبادرة مستمرة منذ عهد الرئيس الأسبق بوش باتخاذ إجراءات شديدة الصرامة ضد تسريب الأسرار الحكومية. ولقد دفع ذلك بوزارة العدل إلى مراقبة الاتصالات الإلكترونية لمراسلي وكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية. كما أدت إلى قرار بوصم مراسل شبكة «فوكس نيوز» جيمس روزين بالتآمر المشترك في جلسات محاكمة التسرب.
وقال لي افترغود، رغم ذلك، إن أحد الأسباب وراء إشادته بالرئيس أوباما وبمدير الاستخبارات الوطنية وبدرجة الشفافية لديهما أنهما تكيفا مع واقع التسريبات الهائلة الجديد. وبالحديث عن كلابر، قال افترغود: «أعتقد أنه أعرب عن تفهم استثنائي للتصور العام حول هذه المسألة ولقد جاءت تصرفاته مؤيدة لذلك. ولقد قال مجددًا اليوم إن نظام التصنيف السري الحالي عقيم ولا يخدم العمليات الاستخبارية الحالية وإنه أصدر أوامره بمراجعة سياسة التصنيف السري لدى كافة وكالات الاستخبارات».
وهذا نوع من الثناء الخاص من طرف افترغود بالنسبة للرجل الذي قضى جل حياته المهنية يضع الأساليب الجديدة لمراقبة موظفي الاستخبارات من أجل القبض على مانينغ أو سنودن الجديدين. ولكن افترغود هو من الإصلاحيين. وكما أخبرني قائلا: «الشفافية هي وسيلة الحصول على حكومة جيدة، وهي ليست غاية في حد ذاتها».
قد يساور أحدنا الشعور بأن أسانغ لن يتفق مع ذلك. وبعد كل شيء، عندما كشف موقع «ويكيليكس» عن الوثائق الداخلية الخاصة باللجنة الديمقراطية الوطنية التي بدت أنها تهدف إلى الإضرار بحملة هيلاري كلينتون الانتخابية، اشتملت الوثائق أيضًا على بيانات بطاقات الائتمان الخاص بأولئك القوم. وهذا النوع من المواد مختلف تمامًا عن البرقيات الدبلوماسية التي نشرها موقع «ويكيليكس» والتي تفضح الصفقات السرية التي كان الجيش الأميركي يعقدها مع الحكام المستبدين في الشرق الأوسط، والتي خدمت الصالح العام بدرجة ما. وفي ذلك الوقت، أراد هانيتي إلقاء القبض على أسانغ. واليوم، يبعث بأصدق تمنياته إلى أسانغ أن يتمتع بالحرية يومًا ما.
ومن المثير للسخرية أن شون هانيتي سوف يجعل من جوليان أسانغ نجمًا شاهدًا في مقاضاته لهيلاري كلينتون في قضية سوء التعامل مع المعلومات السرية. ولكن خلال السنة وبعد الكلمات الرقيقة التي قالها ستيف افترغود عن جيمس كلابر، فإن كل شيء يبدو ممكنًا.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة