بوتين الراهب الأرثوذكسي!

بوتين الراهب الأرثوذكسي!

الأحد - 9 ذو الحجة 1437 هـ - 11 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13802]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
فلاديمير بوتين رجل استخباراتي بامتياز، وهو يسخّر كل الأدوات التي بين يديه، فهو من أجاد استخدام النفط إلى أحسن درجة وحقق «مكانة» اقتصادية لافتة ومؤثرة، قبل أن يتوقف كل ذلك بسبب انهيار أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية الموجعة التي وقعت على روسيا جراء غزوها لأوكرانيا.
اليوم يتوسع فلاديمير بوتين في استغلال القوى الناعمة، وبدأ في توظيف سلطاته على أنه حامٍ للكنيسة الأرثوذكسية في العالم بأسره. روسيا في معظمها ينتمي سكانها إلى المسيحية الأرثوذكسية، ويعتبر بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا كيريل أحد أهم المراجع، إذا لم يكن أهمهم، في العالم. وعلى الرغم من صغر حجم الكنيسة الأرثوذكسية مقارنة بالكاثوليكية والبروتستانتية، فإن الأهمية التاريخية والإرث الكبير يبقى لها. الكنيسة الأرثوذكسية موجودة بشكل أساسي في روسيا ودول أوروبا الشرقية وأوروبا الجنوبية، مثل روسيا البيضاء، وأوكرانيا، وإستونيا، ورومانيا، وبلغاريا، وجورجيا، وأرمينيا، وجمهورية الجبل الأسود، وصربيا، ومقدونيا، واليونان، وقبرص، ومالطا، وطبعا في العراق وسوريا وتركيا والأردن وفلسطين ولبنان ومصر والسودان، ودول متفرقة أخرى حول العالم.
هذا الوجود الاستراتيجي اللافت جغرافيًا يبرر دخول روسيا في أوكرانيا، وطبعًا يفسر بشكل أوضح دخول روسيا لحماية نظام بشار الأسد في سوريا. فبوتين شخصيًا هو الذي أمر البطريرك كيريل بمقابلة رئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس لمناقشة حماية المسيحيين في العراق وسوريا، وهي المرة الأولى التي يتقابل فيها رأسا الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية منذ انفصالهما الكبير عام 1054.
عدد المسيحيين الأرثوذكس في العالم يزيد قليلاً على الخمسمائة مليون نسمة، ومع الوقت يزداد اعتمادهم على «قيادة» بوتين لهم، وهي مسألة يستغلها بوتين سياسيًا مع دول مثل اليونان وقبرص ومالطا وبلغاريا ورومانيا، في تجميعهم بوصفهم تكتلاً موحدًا يصوتون معه في قضايا الاتحاد الأوروبي الذين هم أعضاء فيه.
فلاديمير بوتين، ابن النظام السوفياتي الشيوعي العلماني الملحد، يرتدي ويوظف الآن القناع الديني المسيحي الأرثوذكسي وسيلةً وأداة سياسية، بامتياز لـ«حماية» مسيحيي المشرق ومواجهة تكتل الغرب، خصوصًا في إظهار الأرثوذكسية خط الدفاع الأخير عن المثل والقيم أمام سيل وطوفان «الرذيلة التي يتبناها الغرب المنحل»، مثل زواج المثليين وإباحة المخدرات.. وغير ذلك من القضايا الأخلاقية الشائكة والمهمة.
بوتين سيسعى لأن تكون الأرثوذكسية سلاحه أمام العالم على أنه حامٍ لها، وهي مسألة ستتيح له الدخول في كثير من القضايا ومواجهتها باسم الدين، لتكون له سلطة معنوية جديدة مع سلطات المال والسياسة والسلاح.
الأرثوذكسية تتأصل في الشخصية الروسية القومية الجديدة، ولهذا أسباب مهمة؛ أهمها استغلالها لتحقيق أقصى المكاسب على الأرض.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة