المفاضلة بين الأخطاء

المفاضلة بين الأخطاء

الاثنين - 3 ذو الحجة 1437 هـ - 05 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13796]
د. آمال موسى
كاتبة وشاعرة تونسية
عندما نمعن الاستماع والنظر في الخطاب الشعبي السائد في مجتمعاتنا العربية، فإننا نمسك بسهولة كبيرة بأهم مُسببات التأزم العربي، ونتعرف إلى الخلل الحقيقي الذي يحول دون تغير طرائق التفكير.
ولعل مواقع التواصل الاجتماعي بوابة مهمة تمكننا من التلصص على تمثلات مجتمعاتنا وتصوراتها، التي تمثل لنا معطيات للقياس وللفهم.
نتصفح شبكات التواصل الاجتماعي هذه الأيام فإذا بأصوات تعبر عن تحسرها على زمن معمر القذافي، ونحتك بالناس في الفضاءات العمومية التونسية، فنسمع ما يشير صراحة إلى حنين لزمن زين العابدين بن علي...
إن هذا الحنين إلى زمن ما قبل الثورات، الذي ما فتئ يتكرر، يستحق منا وقفة تفكير؛ لأنه مؤشر خطير جدًا، ويدل على أن مجتمعاتنا ما زالت تحتكم إلى الانفعالية، وتفتقد إلى حدّ كبير إلى العقلنة في تقويم الأوضاع.
طبعًا هذا الحنين الصادم لأنصار الثورة هو في النهاية نتاج إخفاق الثورات العربية في تقديم البدائل، وفي تحسين ظروف الناس. وفي المثال الليبي رأينا كيف أن البلد تحول إلى ملجأ للإرهابيين ولأكثر التنظيمات التكفيرية عنفًا، وأيضًا اضطرار أعداد كبيرة من الليبيين إلى العيش في المنفى هربًا من مأساوية الأوضاع.
صحيح أن كل البلدان العربية التي عرفت ثورة تعيش صعوبات أمنية واقتصادية جمّة، ولكن هل يعني تراجع الأوضاع وتأزمها في مرحلة ما بعد الثورة أن نمجد مرحلة ما قبل الثورة، وإعلان اليأس التام، وإفراغ الحاضر من كل بارقة أمل؟
يبدو لنا أنه بمثل هذا الحنين كمن يُفاضل بين الأخطاء، وهي مفاضلة تفتقد إعمال العقل والمنطق.
لذلك؛ فإنه مهما يبدو الوضع الحالي سوداويًا ومفجعًا، من المهم أن نتحلى بالقدرة على التمييز وعلى التوصيف الدقيق والعقلاني للأشياء. فالخطأ خطأ. والوضع السيئ يظل سيئًا حتى لو وقعنا بعده فيما هو أسوأ. يجب أن نُعود أنفسنا على النقد الواضح، وألا نخلط الأشياء بشكل يكشف عن خمول ذهني ورغبة في تفسير الوقائع بأكثر التفسيرات سهولة وراحة للنفس.
فالعقل الذي يعمل استنادًا إلى المنطق يدرك أن الثورة، بلفت النظر عن حيثياتها وما إذا كانت ربيعًا أو خريفًا، إنما هي صيحة احتجاج تستحق الجدية في القراءة وفي الفهم والتفهم. كما أن ما عرفته بلدان الثورات العربية من انتكاسات متتالية وعميقة يجب عدم التعاطي معه بصفته نتيجة عكسية من نتائج الثورة؛ بل لأن إدارة مرحلة ما بعد الثورة هي التي كانت سيئة، وأدت إلى ما آلت إليه الأوضاع من خيبات.
قد تبدو لنا هذه الجزئيات في بادئ الأمر غير مهمة، ولكنها مع الأسف متحكمة في عملية التفكير وضاغطة عليها مما جعل منها عائقًا للتفكير العقلاني الذي وحده يُمكننا من دقة الفهم والتشخيص؛ حتى نستطيع التجاوز والتقدم نحو الأمام في الإصلاح والتنمية والديمقراطية والحريات الأساسية والعامة التي تطمح لها مجتمعاتنا.
يجب ألا نُفاضل بين السيئ والأقل سوءًا والفساد والأقل منه فسادًا وبين الخطأ والخطأ.
ولكن كيف يمكن تهيئة العقل الاجتماعي الشعبي على هذه العقلنة في تقويم الثورة وما قبلها وما بعدها؟
إن هذه المشكلة ذات الصلة بكيفية إدراك حدث الثورة في معناه العميق والفكري، هي نتيجة حتمية وطبيعية جدًا للتغييرات التي عرفتها المنطقة العربية دون أن تستند هذه التغييرات إلى أرضية ثقافية صلبة. فلقد كانت تغييرات مفاجئة ومباغتة.
طبعًا لا ننكر أنه في الأسابيع الأولى لما بعد الثورة ارتفع منسوب الأمل والحرية؛ وهو ما جعل بعض المراقبين يصفون ذلك بالربيع العربي. وكان بالإمكان استثمار حالة الاستعداد النفسي والذهني العربي لحدوث ثورة على مستوى العقل وطريقة التفكير والتقويم. ولكن ما حصل هو العكس؛ ضاعت حالة التوهج الشعبي وعوضت بالإحباط: فقر أكبر وبطالة أعم، وفساد مكشوف وتحالفات مفتوحة، ومكاسب اهترئت وبنية تحتية انهارت في ليبيا، ومكاسب المشروع التحديثي التونسي ضربت في مفاصل حساسة مثل التعليم والصحة... وفي كل يوم في مصر نسمع فتاوى التكفير وعمليات إرهابية...
لقد هدرت النخب حالة الاستعداد النفسي والذهني لتطوير العقل العربي وتغيير محدداته واستبدال أخرى عقلانية بها. ونقصد النخب الفكرية وبشكل أساسي النخب السياسية، التي منعها جوعها للحكم وتعطشها التاريخي للمشاركة السياسية من إنجاح المرحلة واستثمار اللحظة التاريخية. وبالاستسلام إلى مرض حب السياسة لأطماع شخصية ضيقة سقط الحلم وظهرت النخبة السياسية في حال أحيانًا أسوأ من النخب التي كانت تحكم ما قبل الثورة.
مؤسف أن يتحسر الكثيرون على أزمنة ما قبل الثورة، وأن تتزايد من خيبة إلى أخرى ظاهرة شيطنة الثورة... والأكثر أسفًا أن نُقارب ذلك من منظور انفعالي يُفاضل بين الأكثر سوءًا والسيئ.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
05/09/2016 - 06:33

ذكرت الأستاذة آمال أن الشعوب إنفعالية وتفتقد للعقلنة في تقويم الأمور في كثير من الأحيان، وهذا صحيح إلى حد كبير فهذا من طبائع البشر ، ولكن لو أن تلك "العقلنة" كانت موجودة بدرجة أكبر لما قامت تلك الثورات أصلاً ولما رأينا ربيع ولا خريف، فمن طبائع البشر البحث عن "ضحية" لتعليق مشاكلهم عليها والتي في الغالب هم سببها المباشر، في محاولة للهروب من مواجهة واقع تقع مسئولية تغييره عليهم بالدرجة الأولى ولكنهم كسالى وإتكاليون ويفضلون أسلوب "الفهلوة" وهو سلوك وظاهرة نفسية معروفة ومألوفة ولكننا نلحظ أنها أكثر إستشراءً لدى الشعوب العربية، وهذا بالضبط ما أوصلهم إلى الدرك الذي وصلوا إليه، صدق الله العظيم بقوله الحق "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

ممدوح ..
البلد: 
مصــــــــــــــــــــر...
05/09/2016 - 19:38

اذكر خلال أيام الثورة وقبل سقوط مبارك كنا كمجتمع نتعامل كنسيج واحد لا يوجد نعرات جاهلية هذ مسلم وهذا مسيحى هذا رجل وهذه امراة ..وبسقوط مبارك عمت الفرحة وكان يحدونا امل غامر بمستقبل مشرق واختفت الجرائم والسرقات و لم يخدث اى اعتداء على كنيسة او مسجد .... ولكن لعبت المؤمرات لعبتها وخرجت الفصائل كل يريد قطعة من الكعكة او كلها ان امكن ...وضاعت أحلام الثورة .. وكان المؤامر لم تنته بعد وجارى تأديب وتهذيب الشعب كى لا يفكر بالثورة مرة أخرى ..وهاهو الشعب يدفع الثمن حتى كادت الطبقة الوسطى ان تختفى ..واعتقد انه لن تقوم ثورات أخرى بالقريب العاجل وان حدث فستكون هجمات كهجمات احداث 18و19 سبتمبر 77 هجوم فوضوى وسلب ونهب ممن لا يجدون قوت يومهم بالعشوائيات ..فالف باء دولة خدمات وتحصيل ضرائب وتشغيل ايدى عاملة وهذه أمور تتلاشى حاليا ...

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة