المستشفى.. الفارق بين الحضارات

المستشفى.. الفارق بين الحضارات

الاثنين - 3 ذو الحجة 1437 هـ - 05 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13796]
ما الذي يجعل المستشفى في لندن أو استكهولم أو زيوريخ نظيفا وبالفعل مصحة، وما الذي يجعل المستشفى في كثير من البلدان العربية قذرا وضد مفهوم الصحة؟ هل هي القوانين، أم المباني، أم ثقافة المجتمع، أم تدريب الأطباء؟ في تصوري أن الفارق بين حضارة وأخرى يتلخص في المستشفى، رعاية الأطباء والتزامهم الأخلاقي بالمرضى، والمباني وعمال النظافة، فعندما تدخل مستشفى في أي عاصمة غربية تحس أنك قادم من بلدان عشوائية لا علاقة لها بفكرة الصحة. حتى مستشفياتنا الخاصة الاستثمارية، كما يسمونها، يكون الفارق بينها كما الفارق بين الأتوبيس والتاكسي الأسود في القاهرة، كلاهما قذر، الفارق هو أنك تستمتع بالقذارة في زحام الأتوبيس أو بمفردك في التاكسي، ومع ذلك لا يزال بيننا من يرى في حديث المقارنات جلدا للذات، وأن «حضارتنا زي الفل»، للدرجة التي نسينا معها لون الفل ورائحة الفل، من كثرة المقارنة، وأصبحت كلمة فل تعني قذارة مغطاة بنفاق ثقافي مدفوع بعقدة النقص، في الدفاع عن شيء لا يمكن الدفاع عنه في أي عالم آدمي.
لماذا لا تجد في مدن الغرب ما نقول عنها «رائحة المستشفى»؛ إذ لا رائحة للمستشفى في الغرب تختلف عن رائحة مكان عمل آخر، نفس مستوى النظافة والرقي في التعامل في حدود واضحة بين المفيد والمستفيد، وبين طالب الخدمة ومن يقدمها، لا حشو في المنتصف، ولا محاولات لتبرير العجز بفهلوة كلامية، لا علاقة لها بما هو مطلوب لحظتها.
دائمًا ما يحيرني لماذا رغم كل ما لدينا من قدرات وأموال في العالم العربي ليس لدينا مستشفى يليق بالبشر؟!.. وأنا لا أتحدث هنا عن جناح خاص في المستشفى العسكري الوحيد، أو في المستشفى الذي يستقبل بعض المسؤولين وذويهم.
في تجربة شخصية لي مررت بها في القاهرة، حين مرضت ابنتي وذهبنا بها إلى مشفى خاص، يفترض أنه من المشافي الراقية. غرفة الطبيب كانت خانقة برائحة دخان السجائر، الحمامات كانت بدائية وقذرة. كيف لي أن أثق بأي تشخيص أو علاج يقدمه مشفى كهذا لطفلتي؟ الشيء الوحيد الذي كنت أكيدا أن المشفى حريص عليه هو الفاتورة وفقط!
طبعا لن أحدثكم عن تجاربي الشخصية في مستشفيات الصعيد الجواني، الذي نشأت فيه، فتلك أمور لو كتبت لن يصدقها عاقل من هول ما هي مخزية.
الفارق هو أن أي رئيس في أميركا أو رئيس وزراء في بريطانيا تبنى حملته على الصحة والضرائب.
صحة المجتمعات والأفراد هي حجر الزاوية في المجتمعات الغربية. وبالطبع هذه دول غنية جدًا في حالة بريطانيا وأميركا، ومع ذلك معركة تحسين مستوى الصحة هي المعركة الأكبر في الانتخابات. تشتكي المستشفيات البريطانية من نقص الأموال رغم ما يضخ فيها؛ لأن المطلوب لمنظومة صحة مجانية كثير. فهناك أطباء مؤهلون ومبان سليمة، ونظافة وأدوية ومتابعة للمرضى، كل ذلك يكلف الكثير.
عندنا يتحدثون عن الصحة المجانية والتعليم المجاني وهم لا يتطببون ولا يتعلمون. المجاني عندنا لا يصرف عليه، أما في الغرب فالصحة المجانية هي من أموال دافعي الضرائب، بما يجعلهم يستمرون في دفع هذه الضرائب؛ لأنهم يأخذون في مقابلها خدمات تليق. فالدولة لا تتكرم على المواطن. الدولة هي المواطن؛ إذ لا وطن بلا مواطن في الغرب.
المستشفى ليس ظاهرة من حيث النظافة وكفاءة الأطباء والعاملين والرعاية، المستشفى أيضا يقع داخل سياق قانوني محكم، فالطبيب الذي يخطئ يحاكم ويغرم المستشفى ليس بمائة جنيه، بل بغرامة تقفل المستشفى أحيانا، ملايين الدولارات تذهب تعويضا للمريض إذا ما حدث خطأ طبي. الطبيب في الغرب ليس مجرد ضمير، بل هو مراقبة لقوانين صارمة من يخطئ ضدها يدفع الثمن باهظا.
كتبت ذات مرة عن مستشفيات الصعيد، فردت عليّ جوقة من المنتفعين بأن الخدمة في الصعيد تضاهي الخدمة الطبية في سويسرا. طبعا لا خجل. فكيف يكون هذا الكلام معقولا، وليس الخبر كالعيان. الحضارات الخالية من المعايير لا تعد حضارة. ما يميز الحضارات هي المعايير والمؤشرات. وإذا أردنا أن نقارن حضارتنا بحضارتهم، فالمؤشرات الأولى هي ليست الطائرات والمدافع، بل المستشفيات.

التعليقات

د. علي فرج ـ أستاذ الهندسه بجامعه لويزفيل
البلد: 
مصري/أمريكي
05/09/2016 - 05:45

مقال رائع! حقاً، التمريض ثقافه و حضاره. لما زرت مدينه "بروج" ببلجيكا زرت مستشفاها الأثري، و رأيت تكامل معمار الكنائس مع المستشفيات مع الإدارات الحكوميه؛ منذ القرن الثالث عشر! تحفه معماريه تصف معني التخطيط العمراني، من زمان! و يبدو أن للكنائس دور في تنشيط المستشفيات فجُلها مسماه بأسماء قديسين، ما يدل علي ارتباط خدمات الدين بالتمريض، و يتضح أيضاً وقف الأغنياء للمستشفيات. و عروج علي الحاضر، فمستشفيات الغرب يغشاها أمور لا تخطئها عين. أولها النظام و عدم الهرجله و وضوح الاستقبال، ما بين طوارئ و إجراءات عاديه و زيارات. ثانيا، حداثه الوسائل، مهنيه الأطباء، و ملائكيه التمريض ـ أناس يعلمون ضعف المريض، فيهونون عليه الأمر، ببشاشه الوجه و حسن التمريض. لهذا ثمن، غالباً غال، إنما معه خدمات تستأهل. ما ينقص بلادنا هو نهج التحضر، و قوامه الرشد، في كل الأمور!

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
05/09/2016 - 08:54

القضية متكاملة الأطراف ومن الصعب تجزئتها ، حيث يتعين ان نصلح رأس الهرم أولا ، ثم إن الاطباءالذين يوافقون على العمل في مستشفى تنقصه النظافة ، لن يكون هو الطبيب المؤهل الذي يستطيع علاجك ، فهو ارتضى لنفسه ان يسكت على أمور هامة ، فماذا نقول عن نظافة الادوات الجراحية التي يتم إجراء العملية بواسطتها ، وماذا نقول عن الهواء الملوث ، ثم ماذا نقول عن الطبيب الذي يتعامل مع المرضى بفوقية ، وهو الذي يرتزق منهم ن واخيرا لماذا لا يكون الطبيب مستمعا جيدا للمريض لكي يضع يده على الخلل الذي يعاني منه هذا الضعيف ، ولماذا لا يستمع الطبيب للتاريخ المرضي وخاصة لأصحاب االأمراض المزمنه ، فقد يكتب له دواء يتعارض مكن مرض آخر ،وإنني اركز على ضرورة الرفق بالمريض وعدم التذمر من شكواه والسماح له باتنفيس الانفعالي وعدم المسارعة للتشخيص ليتم اعطاءه لدواء المناسب لحالته

ناصر العمار
البلد: 
الرياض
05/09/2016 - 10:40

ليست المستشفيات هي الفارق فقط يا سيدي بل كل شيء يفرق استطيع أن أقول هذه الصورة التي تظهر بالتلفزيون انها من الغرب أو أمريكا وبالقطع ليست من بلاد العرب أو الشرق الأوسط فقط من الصورة بدون أن يكتبوا كلمة واحدة عن موقع الصورة من حيث نظافة المكان والأشجار الخضراء في كل مكان والناس الذين يسيرون سواء بسيارتهم أو على أرجلهم بنظام .

ثريا
05/09/2016 - 10:51

اجريت بحثا عن تاريخ الرعاية الصحية في العصر الاسلامي و أؤيد ما قلته . المستشفيات حتى بعد سقوط الخلافة العباسية استمرت في تقديم خدماتها بنفس الرقي . تماما كما قلت، انه الوعي لدى العاملين واحساسهم بالمسؤولية، و هذه هي الحضارة الحقيقية

محمد شاكر محمد صالح
البلد: 
KSA
05/09/2016 - 15:59

الحضارة والعلوم هي منظومة متكاملة ومن الصعب ان نقسمها او نجزائها لأن من احرز تقدما مبهرا في مجال الصناعة او البرمجيات صعب ان تقول عنه انه غير متقدم في نظام تقديم الخدمات الأخري سواء في قطارات او مطارات أو كانت مشافي عامة او مشافي خاصة ومشكلتنا نحن كعرب ليس الأمكانيات او الموارد انما هي العقول المسؤلة والتي تتحكم في مصائر تلك الشعوب البائسة والتي اصبحت مثالا لكل شئ سئ وبطئ في شتئ المجالات تجد مثلا في بلادنا مباني المشافي من الخارج فيها لمسة جميلة وعندما تدخل كمريضا او زائرا تصاب بالغثيان والداور مما تجده من سوء الخدمات التي تقدم سواء كان تمريضا او تطببا هذا بخلاف فوضي التعامل مع المرضي الذين لايجدون سرنجات للحقن او اكياس دم لذلك اهل المريض يشترون كل شئ علي حسابهم هذا بخلاف طريقة الزيارات للمرضي تحسن انك في سوق كبير كل هذا سببه عقول المسؤلين

سيف السعدون
البلد: 
بريطانيا
05/09/2016 - 20:54

سيدي الكاتب المقال مهم ولعله يساهم في توعية المسؤولين والعاملين في المستشفيات العربية والنهوض بها إلى مستوى ارفع مما هي عليه.
وهناك عامل مهم وهو مستوى الثقافة والمعرفة المتدني لدى معظم مراجعي المستشفيات والمرضى. .في العالم العربي مما يؤدي إلى الاستهانة بهم من حيث الاهتمام ومستوى الخدمات. فالثقافة والنظافة في المستشفيات تأتي من قمة الهرم الإداري والطبي وفشل هؤلاء وعدم افتخارهم بالمؤسسات التي يشرفون عليها يؤدي كما هو شائع إلى فشل المؤسسة الطبية.
وفي الغرب ليس كل شيء على ما يرام دائما ولكن بالوعي والمحاسبة يتم عادة تدارك الامور..وفي بريطانيا تصنف المستشفيات على درجات رقيها من حيث النظافة والعلاج الناجح. .وحتى في المستشفى الواحد تصنف الأقسام الطبية حسب مستوى جودتها. ويتحاشى بعض المرضى دخول المستشفى في عطلة نهاية الأسبوع لعدم توفر الأطباء.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة