السعودية وآسيا.. ضبط المسافات شرقًا

السعودية وآسيا.. ضبط المسافات شرقًا

السبت - 1 ذو الحجة 1437 هـ - 03 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13794]
إميل أمين
- كاتب مصري
لم يعد العالم غربًا بمطلقية المشهد ولم يعد قلب العالم كما أشار ماكندر من قبل، فالجميع يوقن بأن قلب العالم النابض يتحول الآن شرقًا نحو آسيا.
في هذا السياق تنهض القيادة السياسية في المملكة العربية السعودية بمسؤولياتها التاريخية تجاه التحولات العالمية، وزيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد لباكستان والصين واليابان خير دليل على امتلاك رؤية استشرافية تدرك جيدًا مآلات العالم الجديد وتوازناته القادمة.
يترأس الأمير محمد بن سلمان وفد المملكة إلى دول شرق آسيا، بعد عدة زيارات مكوكية للولايات المتحدة وبعض من دول أوروبا، وقد كانت جميعها ناجحة بامتياز، ونجاحاتها مردها الشفافية والموضوعية من جهة، والطرح الذاتي الخلاق للمملكة في 2030 من جانب آخر. وعندما تطرح القضايا من الذات وليس من الآخرين يقدر لها دائمًا وأبدًا النجاح، حيث تنطلق من الواقع المعيش واحتياجاته، ومتطلبات التطوير وآلياته.
هل زيارة الوفد السعودي للصين واليابان وقبلهما باكستان، مدعاة لقلق الحلفاء الغربيين للمملكة؟
بالقطع لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، ففلسفة القيادة في المملكة تسعى إلى بسط فكرة «ضبط المسافات» بين الحلفاء، لا اللعب على المتناقضات، والأولى يحترمها العالم بشرقه وغربه، فيما الثانية عادة ما تولد من الإخفاقات أكثر مما تصيب من النجاحات.
الوفد السعودي الذي يزور الصين سيكون بلا شك أداة فاعلة في حضور المملكة على طاولة أعمال قمة العشرين التي تجيء تحت عنوان «بناء اقتصاد عالمي إبداعي ونشيط ومترابط وشامل». ولعله من حسن الطالع أن أفكار منتدى «رؤية السعودية 2030» تبلور في واقع الحال طروحات إبداعية وتقدمية على الصعيد الاقتصادي خاصة.. أفكارًا من خارج الصندوق التقليدي. والحضور السعودي في وسط أكبر 20 دولة تتحكم في اقتصادات العالم وترسم سياساته وتحدد طموحاته، يعني اعترافًا صريحًا مريحًا بالأهمية الاستراتيجية للمملكة في وسط منطقة هائجة مائجة، وعالم إنتروبي مضطرب يعيش نهاره في قلق وليله في أرق.
تركيز القيادة السعودية على الصين تحديدًا أمر يتجاوز مسألة التعاون الاقتصادي على أهميتها، ورغم العلاقات الكبيرة والواسعة بين بكين والرياض، والآمال والأحلام المتعلقة بطريق الحرير الجديد، والذي حتمًا وحكمًا يمر بالمملكة.
التعاون مع الصين يعكس إدراكًا سياسيًا سعوديًا لوقائع التغيرات الجيوسياسية حول العالم؛ فالصين اليوم تقترب حثيثًا من أن تكون رقمًا صعبًا في المنطقة العربية بالجوار، وربما بالمنافسة من ومع روسيا، عطفًا على الصراع الخفي والمعلن مع واشنطن.
تبدو الصين اليوم راغبة، وقادرة على التفاعل مع كثير من ملفات المنطقة المشتعلة، لا سيما الملفين السوري واليمني، ولهذا يبقى التنسيق معها واستطلاع توجهاتها أمرًا لا بد منه، وحتى لا تتحمل منطقة الخليج العربي تبعات الصراعات الدولية، وتدفع أكلاف النزاعات القطبية، فما بين بكين وواشنطن وموسكو، سوف يقع كثير من الضحايا، والقيادة الدبلوماسية النابهة هي التي تستطيع أن توازن بين الأطياف والأطراف المتضادة.
تدرك المملكة وقيادتها اليوم أن لديها أوراق قوة خشنة، وأخرى ناعمة، وأن العالم يحترم ويلتزم التعامل مع الأقوياء والأذكياء على حد سواء، فالنفط يبقى إحدى أهم أوراق القوة في المملكة مهما قيل خلاف ذلك، والصين عينها عليه وتحتاجه في الحال والاستقبال، طالما هي ماضية في طريق نهضتها الإمبراطورية، وتدرك كيف أن خطوط الطول والعرض للاستراتيجية الأميركية الجديدة «الاستدارة نحو آسيا» تعمل على قطع طرق التواصل بين بكين ونفط الخليج.
أما عن أوراق القوة الناعمة فالمملكة هي قلب العالم الإسلامي النابض، وعليه يمكنها التواصل بروح إيجابية خلاقة مع مسلمي الصين، لا سيما مسلمي الإيغور، الذين يلاقون تشددًا واضحًا في مساعيهم الحياتية من قبل السلطات الصينية، وهنا يمكن للقيادة الفكرية والدينية في المملكة أن تقوم بدور الجسر والقنطرة بين الطرفين.
زيارة الوفد السعودي لليابان كذلك تعد خطوة مهمة وبناءة في إطار الانفتاح السعودي على العالم وإن بتؤدة وعقلانية، فاليابان صاحبة خبرة إنسانية مبدعة، لدولة استطاعت أن تقوم من الحطام والركام لتضحى الضلع الثالث من أضلاع الرأسمالية العالمية، مع أوروبا والولايات المتحدة.
كما أن التجربة اليابانية العلمية والصناعية تعد نبراسًا للأمم والشعوب الطموحة، والتعاون مع اليابان لا يستجلب فقط رؤوس الأموال الآسيوية للاستثمار في المملكة، بل يستقدم الخبرات العقلية التي تبني أمجاد الأمم علمًا وعملاً.
واليابان اليوم وفي القريب تسعى للانفتاح على العالم والخلاص من القيود التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وكذا الوصاية الأميركية التي طالت سبعة عقود حتى الساعة.
الزيارة إلى آسيا تؤكد أن «رؤية المملكة 2030» ليست تنظيرًا آيديولوجيًا، أو شعارات سياسية براغماتية جوفاء، بل خطوات عملية ومدروسة، وبروح وثابة قادرة على المبادرة والمبادأة، وخوض لغمار عالم جديد يتشكل في الآفاق، ولا بد للمملكة من أن تكون شريكًا فاعلاً فيه، حماية للأجيال القادمة من أخطار التهميش والعزل والإقصاء، التي عرفها العرب طويلاً.

التعليقات

احمد
البلد: 
مصر
03/09/2016 - 03:59

الاستاذ/اميلى ، افضتم فى شرح ضرورة التوجه السعودى للشرق ،واتفق معكم خاصة ان خطة 2030 وهى خطة طموحة جدا وتنتقل بالسعودية من دولة ذات مورد واحد وهو البترول الى دولة متعددة الموارد ، لا يؤثر فى اقتصادها ازمة هنا او هناك ، ونتمنى لقادة وشعب السعودية كل التوفيق .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة