الأستراليون ضد ترامب

الأستراليون ضد ترامب

الثلاثاء - 27 ذو القعدة 1437 هـ - 30 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [13790]
ديفيد اغناتيوس
صحافي وروائي. وهو محرر مشارك وكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست". كتب ثماني روايات، بما في ذلك "جسد الأكاذيب"
أستراليا تبدو وكأنها تشعر بالخزي مما يحدث في ساحة السياسة الأميركية. فالأستراليون مهذبون بشكل لا يخلو من مشاكسة، ويدركون جيدًا أنه يتعين عليهم التعايش مع أي رئيس يجري انتخابه، ولذلك نادرًا ما ينتقد الناس هنا دونالد ترامب على الملأ.
لكن صناديق الاقتراع تحكى القصة الحقيقية، فقد كشف استقصاء أجراه معهد «لوي» البحثي هنا شهر يونيو (حزيران) أن 11 في المائة ممن شملهم الاقتراع يؤيدون ترامب، في حين أيد 77 في المائة هيلارى كلينتون، وتضاءلت النسبة أكثر عند طرح سؤال عن مدى تأييدهم سياسية ترامب الخارجية. الأغرب من ذلك أنه في دولة استمرت تؤيد العمليات العسكرية الأميركية لقرابة قرن كامل من الزمان، أفاد 59 من الأستراليين، أنه يتعين على بلادهم الامتناع عن المشاركة في العمليات العسكرية الأميركية في حال جرى انتخاب ترامب. شأن جميع حلفاء الولايات المتحدة، يعتمد الأستراليون على قوة وثقة الولايات المتحدة في قيادة النظام العالمي والمحافظة على استقراره، وفي الوقت نفسه، المحافظة على قدر من المرونة يسمح بظهور لاعبين جدد مثل الصين. يخشى الحلفاء أيضا من أن تتركهم الولايات المتحدة يدافعون عن أنفسهم في مواجهة تنمر كل من روسيا والصين بهم.
إذن فيما سيفكر الأميركان عندما يسمعون ترامب يقول، كما حدث في 8 أغسطس (آب)، إن «الهوية الأميركية، وليس العالمية، هي عقيدتنا الجديدة»؟ شعر الناس بالقلق من أن يكون قد قصد ما قاله بالفعل.
فقد صرحت وزيرة خارجية أستراليا، جولي بيشوب، في مقابلة شخصية أجريتها معها في السابق، بـ«أننا نحتاج إلى قيادة أميركية واثقة ومتمكنة ذات نظرة منفتحة، فمنطقتنا تعتمد على ذلك». ورغم حرصها على عدم الإفصاح عن ميولها السياسية، فقد خرج المعنى واضحا.
فشجب ترامب للصفقات التجارية لهو مثال مقلق عن نياته تجاهل السياسات التي طالما تبنتها الولايات المتحدة. فهو يشجب «اتفاقية الشركة الاقتصادية عبر المحيط الهادي»، ويتجاهل حقيقة أن أكبر المستفيدين من إلغاء الاتفاقية هي الصين، حيث تبدو بكين مستعدة ببنيتها الاقتصادية لتكون البديل المهيمن على التجارة وعلى اقتصاديات العالم كي تحل محل النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عام 1945.
نعم أيها الرفاق، سوف يتسبب إلغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي في أذى كبير للعمال الأميركيين بعد أن تتقلص فرص نفاذ الولايات المتحدة لأسرع أسواق العالم نموا.
كان من المؤسف رؤية إذعان هيلاري كلينتون للنقاد المضلَلين عند تناولهم لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، فربما تعتقد كلينتون أنه من الممكن إعادة فتح المفاوضات للوصول إلى اتفاق أفضل، لكن إن صح ذلك، فهي تقف بمفردها تقريبا. وعلى الأرجح، لا تمانع كلينتون في أن ينال الاقتصادي الأميركي ضربة إن كان ذلك سيساعد على إعادة انتخابها. الناضج الأميركي الوحيد في الغرفة هو أوباما الذي سعى جاهدا لتمرير اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي» قبل رحيله عن منصبه.
ماذا سيفعل الحلفاء حال صوتت الولايات المتحدة لصالح قبول نموذج ترامب بشأن «الهوية الأميركية، وليس العولمة»؟ سوف يجرون تعديلات، وسيرمون شباكهم، وسوف يتمنون أن تنتهي تلك الحمى خلال أربع سنوات، وسوف يسعون لحماية مصالحهم في عالم تراجعت فيه الثقة في القوة الأميركية.

أستراليا مثال جيد للدولة التي تقف إلى جوار أصدقائها، حتى وإن ارتكبوا أخطاء. والقيادة هنا تمثلها الولايات المتحدة، وسبلها كانت فيتنام، والعراق، وأفغانستان. إذ يسعى بعض قادة قطاع الأعمال إلى إقامة علاقات أكثر راحة مع الصين، لكن النظرة العامة ثابتة، إذ يتساءل مايكل فولوف، المدير التنفيذي لمعهد «لوي»، في كتاب صدر مؤخرا قائلا: «لماذا علينا الإسراع في إسقاط أحد الحلفاء؟».
فأحيانا تنكسر القوى العظمى تحت تأثير الضغط، فقد سبق أن شاهدت أستراليا في السابق الإمبراطورية البريطانية التي لا تقهر تذبل وتتلاشى قبل أن تنكفئ على نفسها. فحركة قيادة العالم ليست ماكينة أبدية، إذ إنها تتطلب جهدا وتضحيات على فترات. يشهد العام الحالي اختبارا في السلوك والشخصية للولايات المتحدة، ولا تحتاج أنت سوى للسفر للخارج كي تعرف كيف يرقب العام ما يحدث باهتمام شديد.
* خدمة «واشنطن بوست»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة