«حماة الديار».. خطوة في الانقلاب المتدحرج!

«حماة الديار».. خطوة في الانقلاب المتدحرج!

الثلاثاء - 27 ذو القعدة 1437 هـ - 30 أغسطس 2016 مـ رقم العدد [13790]
حنا صالح
كاتب لبناني
بشكل فجائي، وككرة الثلج، شهد لبنان انتشارًا أُفقيًا لتنظيم شبه عسكري أطلق عليه تسمية «حماة الديار». مكاتب للتنظيم الجديد، افتتحت في الكثير من المناطق، ولا سيما في طرابلس والشمال، وكذلك الجبل وسواها.. وأثارت المظاهر الريبة، وطرحت الأسئلة الجدية عن مدى صحة استضافة ثكنات للجيش اللبناني، لتدريبات عناصر هذا التنظيم، وتجهيزه، وما هي حقيقة أهدافه، خصوصًا مع انتشار شائعات في مدينة طرابلس من أن التنظيم المذكور يستهدف الشارع السني!
واتسعت الأسئلة عن الجهات الممولة، وكيف لهذا التنظيم أن يتلقى دعمًا وتدريبًا من جانب جهاز أمني رسمي. وطرح مغردون أسئلة عن الارتباطات، خصوصًا أن هذا اللقب: «الحماة»، يطلق على جيش النظام السوري! وبخلاف إعلان وزير الداخلية نهاد المشنوق، أن وزارته تعد ملفًا قانونيًا لرفعه إلى مجلس الوزراء، لسحب ترخيص هذا التنظيم، الذي تزامن مع رفض شعبي لهذه الجماعة ومسارعة كثير من المنتسبين لتقديم استقالات جماعية، فإنه لم تتم إحاطة المواطنين علمًا بالأسباب الموجبة أصلاً لتشريع مجموعة مسلحة منذ عام ونصف. وحده النائب وليد جنبلاط كسر الصمت السياسي الذي رافق هذه الظاهرة، متسائلاً عمن اخترع هذه البدعة، ومؤكدًا أن الجيش وحده يحمي الديار، منبها من أن يبدأ توزيع رخص السلاح على جميع أنواع الشبيحة، وما يجره ذلك من فوضى.
كثير من المغردين أثاروا وجود أوجه شبه بين «الحماة» وتنظيم شبيه وفاعل في بلد قريب: «الحشد الشعبي».
وما استوقف الجميع، هو لماذا يغض «حزب الله» النظر عن نشوء هذا التنظيم، وهو الذي يملك جيشه الموازي للجيش، واستطاع في السنوات الماضية، وفي أكثر من مناسبة تحديد حركة وانتشار ودور القوى العسكرية النظامية في أكثر من منطقة، وما زال في الأذهان الكثير من الروايات عن تفشيل «الخطط الأمنية» في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع.
صلة الرحم قائمة ولا شك، والخطوة تأتي في سياق انقلابي متدحرج بدأ باحتلال وسط بيروت في عام 2006، الذي تلا إثارة طهران باكرًا «المثالثة» في تركيب السلطة، بديلاً عن المناصفة جوهر وثيقة الوفاق الوطني - الطائف. وخدمة لهذا الهدف؛ كانت غزوة بيروت في السابع من مايو (أيار) 2008 و«اتفاق الدوحة» الذي نجم عنها، وقضى بإدخال بدعة «الثلث المعطل» في الحكومة، ومنع الفريق الفائز في الانتخابات من تشكيل حكومة تمثل الأكثرية، إلى بدعة أخرى تكرست في البيانات الوزارية بثلاثية «جيش وشعب ومقاومة»! وصولاً لقيام «طاولة الحوار»، التي اقترحها الرئيس نبيه بري، وهي في حقيقتها بديل عن الهيئات الدستورية المنتخبة.
ومنذ حرب يوليو (تموز)، مضى «حزب الله» في نهج تجويف الدولة، من خلال جيشه الخاص، ومن خلال المضي في إقامة مجتمع يعيش خارج القانون العام، يدير شؤونه «باسيج» محلي، ويحكم بالفتاوى، ويتم توظيف المؤسسات العامة لترسيخ الهيمنة الفئوية، على مرأى الجهات والوزارات المعنية ومسمع منها، وفي تحد سافر للقانون وموجباته.
ومع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان ودخول لبنان نفق الفراغ، أطل المعطلون ببدعة جديدة مفادها، أن مقاطعة نواب بعينهم لنصاب جلسات انتخاب رئيس للبلاد، أمر في صلب الممارسة الديمقراطية (...) ومع التراجع في الأداء الحكومي، وإبقاء أبواب المجلس الممدد له مقفلة، كانت بدعة الدعوة إلى «التوافق» على «سلة» تشمل الأمور العالقة: رئاسة الجمهورية والحكومة الجديدة وقانون جديد للانتخاب.
لكن حصيلة نقاش «طاولة الحوار» ثبتت التباعد بالمواقف، وأكدت رفض أطراف رئيسية، أبرزها «تيار المستقبل»، التسليم بـ«التفاهم» المفروض من جانب «حزب الله» كقوة أمر واقع.
الثابت أن كل ما طرحه الرئيس نبيه بري إنما كان بالتوافق مع «حزب الله»، وأراد منه فتح كوة خطرة لتكريس كل التجاوزات على الدستور؛ ما يعني الذهاب أكثر في منحى نسف واقعي للطائف، بفرض تغير جوهري من الداخل. وظهرت أهداف التهويل بالويل والثبور، والزعم «باحترام» السلم الأهلي، بأنها ترمي إلى استبدال القوانين بتسويات، تحمل كل شروط الإذعان المغلفة بالقول إنها «حل توافقي»! وهذا يقود إلى حقيقة مفادها أن قوى الأمر الواقع التي استمرأت إدارة البلد من خارج الدستور، ماضية بالتشبث بالأداء السياسي الذي ساد مرحلة الوصاية السورية، مرحلة تعليق الدستور وإلغاء المؤسسات، وشطب كل مفاعيل اتفاق الطائف.
الخلل ليس في الدستور الذي لم يطبق إلا جزئيًا، بل بوجود دولة داخل الدولة، أُقيمت لبنة لبنة بالمال «النظيف» لفرض ارتهان لبنان لتغول حكام طهران، الذين يحجزون البلد والرئاسة حتى تتضح صورة الحل في سوريا، ومصير الطاغية ونظام حكمه الفئوي على وجه التحديد.
إنه المنحى الانقلابي المتدحرج لاستتباع لبنان، عبر دفعه إلى حافة الفراغ الشامل، ومفاقمة أزماته وتحويله مجرد ورقة في ملف النفوذ الإيراني لاستخدامها عندما يحين أوان المساومات الكبرى.
* كاتب لبناني

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة