شهوة المنصب الأبدية

شهوة المنصب الأبدية

الثلاثاء - 30 شهر رمضان 1437 هـ - 05 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13734]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

«المناصب الإدارية مثل كرسي الحلاق ما إن تجلس عليه حتى يأتيك شخص فيقول لك.. نعيمًا»! أي انتهت الحلاقة أو انتهى المنصب الذي كنت تنعم به. هذه العبارة التي لخص بها د. حمود القشعان عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت رحلة المنصب.
وهذا ما لمّح إليه الرئيس الأميركي أوباما حينما كان يخطب في أفريقيا بقوله لا أخفي عليكم أنني لا أستطيع أن أقاوم رغبة الأميركان بانتخابي لدورة ثالثة.. وأتوقع أنني سأفوز لو خضت مجددًا الانتخابات، لكن الدستور لا يسمح بالترشح لمرة ثالثة، بحسب قناة «سي إن إن».
ما قاله الرئيس يعكس شهوة المنصب الفطرية لما فيها من وجاهة، لكنها سرعان ما يخبو نجمها بزوال الكرسي. وهذا ما ذكرني بفيديو، أرسله لي قارئ، يروي قصة وكيل وزارة كان يحاضر على المسرح وما أن قُدِّم إليه قدحٌ من القهوة حتى قال للجمهور بأن هذا الموقف، قد ذكره بقصة استضافته من قبل إحدى الجهات بتقديم تذكرة سفر على درجة رجال الأعمال، وتم تخليص إجراءات سفره بسرعة البرق، واستقبلته سيارة فخمة، ولما صعد خشبة المسرح قُدِّمَت إليه القهوة بكوب فاخر من السيراميك من دون أن يطلبه. وعندما ترك المنصب، بعد سنوات، تكرر المشهد، ولكن هو من تحمل كل تكاليف الرحلة، ولما ذهب خلف كواليس المسرح نفسه ليطلب قهوة، أشار إليه أحد الموظفين بأن يخدم نفسه من تلك الماكينة ليشرب بكوب ورقي متواضع. المغزى الذي أراد إيصاله هو ضرورة أن ندرك بأن وجاهة المنصب زائلة لا محالة، وأنه سيأتي يوم لنكتشف أننا في نظر البعض لا نستحق عناء أن يقدم إلينا فنجانًا من القهوة. وما أكثر أولئك الذين يتشبثون بتلابيب المنصب الرفيع مهما كان مستوى انحدار عطائهم.
هذه الحقيقة المرة هي ما دفعت بلدانًا عدة إلى تغيير قوانين مدة تولي المناصب الإشرافية، فيدور حاليًا نقاش ساخن عندنا بالكويت «لتأقيت مناصب القياديين في القضاء» بما لا يتجاوز ثماني سنوات أملاً في تجديد الدماء. وهذا ما يدفع بعض الدول إلى أن تصرف راتبًا مدى الحياة للوزير وعضو البرلمان إذا انتهت مدته. وأرى أن أحد أسباب ذلك هو منح القيادي حرية تكملة المسيرة أو إفساح المجال للصف الثاني، ويبقى هو معززًا مكرمًا. ولولا إدراك أهمية الصف الثاني لما استمرت مؤسسات كثيرة ومنها الأندية بحصد البطولات الرياضية تلو الأخرى. ولما اكتشفنا أصلاً المواهب المدفونة.
بعض المديرين في مناصبهم كالشوك لا يزول إلا باقتلاعه وبعضهم كالورود، أينما وضعته كان زاكي الرائحة لكنه ما يلبث أن يذبل، وهذه طبيعة العطاء والمنصب.
المناصب مثل سباقات التتابع لا بد أن تأتي اللحظة التي تسلم فيها الراية لغيرك. والمنصب معيار محايد نقيس به أنفسنا النزّاعة للهوى. ولذا كان القيادي الفذ مثل لاعب الكرة إن اعتزل في أوج نجوميته، قبل تدهوره، فلا بد أن تعلق سيرته العطرة بأذهاننا جميعًا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة