هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «بصل الجنينة»

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «بصل الجنينة»

الثلاثاء - 30 شهر رمضان 1437 هـ - 05 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13734]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

أحد أسباب الرحلة إلى بلغراد كان سفير لبنان لدى يوغوسلافيا، وأحد كبار الأصدقاء، الشيخ منير تقي الدين. كان الشيخ منير مديرًا لوزارة الدفاع في سنوات الاستقلال الأولى، كما كان محافظًا لمنطقة الشمال وطرابلس في أيام المدينة الصعبة وفورانها. وقبل ذلك كله، كان عملاق القامة، شديد البنية، ولذلك أعطى انطباعًا في لبنان بأنه رجل قاسٍ من الجبل لا يهادن ولا يسامح.
انتمى الشيخ منير إلى عائلة فريدة: شقيقه سعيد كان أمير الأدب الساخر، وشقيقه خليل كان يومها أمير الرواية، وشقيقه بهيج كان أمير المحاماة ووزير الداخلية شبه الدائم. وتأمل هو هذه الدوحة الأدبية بتواضع وانحناء الشقيق، فوضع كتابًا عنوانه «بصل الجنينة». وكان له كتاب عن فصول حركة الاستقلال. أما الكتاب الأكثر أهمية، فالذي وضعه خلال عمله في بلغراد، عن المارشال تيتو، بطل يوغوسلافيا وموحدها، والزعيم الشيوعي الوحيد الذي تمرّد على ستالين، واستطاع أن يعيش ويزدهر ويموت في سريره، بتقادم العمر، لا بالسم ولا في حادث سيارة.
رأى الشيخ منير في حياة تيتو، الذي قدم له أوراق اعتماده كسفير، أسطورة من أساطير السياسة والمقاومة الاستقلالية في القرن العشرين. وأراد أن يتوج نجوميته في بلغراد بكتاب عن المارشال، كما توج شقيقه خليل تجربته كسفير في موسكو، بروايته الشهيرة «تامارا»، عن الحياة السياسية في ظل ستالين.
وصلتُ مبنى السفارة اللبنانية في بلغراد، فوجدت إلى جانب المدخل رجلا أنيقًا في مكتب صغير. وعندما دخلت على السفير سألني: «هل سلمت على العميد وأنت طالع؟» قلت، أي عميد؟ قال: «الملحق العسكري، العميد ميشال ناصيف». قلت: هل يليق بلبنان أن يكون هذا مكتب الملحق العسكري؟ قال الشيخ منير، يحاول تصحيح خطأ لا علاقة له به: «تعال ننزل نسلّم عليه».
كان العميد ميشال ناصيف واحدًا من كبار ضباط «المكتب الثاني» الذين أُبعدوا عن لبنان بصفة ملحقين عسكريين. ومع انهيار «المكتب الثاني» وتفكيكه، بدأ انهيار الدولة اللبنانية، وانهيار هيبتها التي لن تعود. فقد توالى عليها المستخفّون والهازئون والوصوليون. وقد كانت «للمكتب الثاني» أخطاؤه وتجاوزاته، لكنها لم تكن جميعًا في حجم إلغائه وإلغاء الدولة معه.
إلى اللقاء..


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة