عراقي اسمه لبن بلجيكي

عراقي اسمه لبن بلجيكي

الأحد - 27 شهر رمضان 1437 هـ - 03 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13732]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

قال لهم، أثناء تلك الحرب المشؤومة، إن على كل مواطن منهم أن تكون له قصته الخاصة فيها. وكان المقصود مواقف الشجاعة والبطولة والصمود و«عليهم يا النشامى». وقد كانت لهم حكاياتهم البطولية بالتأكيد. حاربوا وجُرحوا وماتوا وعرفت أجسامهم العطب وخزّنت ذاكرتهم الأهوال. بشعة هي الحرب مهما كانت مبرراتها. غمس كثيرون أقلامهم بحبر المعارك وكتبوا أشعارًا وقصصًا فيها ما هو جميل وأصيل، وفيها ما هو تطبيل زائف. أدب تعبئة وبروباغاندا. وكان أغلبهم ينهل من قاموس كئيب. تتكرر في النصوص مفردات الخندق، الخوذة، الجثة، العدو، الشهيد، الطلقة، القصف، دورية الحراسة، آمر الفوج، الدبابة، المدفع، والانتصار. الكثير من الانتصارات.
إلى جانب تلك اللافتات، كان هناك من انكفأ على نفسه وسجّل يوميات الحزن، الخوف، الهجرة، الفقدان، الإعاقة، الحبس واليأس. ثم تقلّبت السنوات ومرّت مياه كثيرة جديدة تحت جسور الفراتين. لكنها لم تغسل الذاكرة. وما زالت لكل عراقي قصته الخاصة التي يستعيدها في لحظات المكاشفة. حكايات حميمة تستحق التسجيل. قد تبدو هامشية. لكنها تمنح للمتن ألوانه وفرادته.
يروي صاحبنا، وهو بين الهزل والغصّة، رحلته مع اسمه الغريب. كان فنانًا فرّ من البلاد بعد أن صدر ضده حكم بالإعدام. وليس من الضروري السؤال عن السبب. تتعدد الأسباب والموت واحد. والإعدام عقوبة عادية والطلقة على حساب أهل المعدوم. نفد بجلده وتنقّل بين عدة دول إلى أن استقر في بلجيكا. وكنا على عتبة الألفية الثالثة. طلب اللجوء وحصل عليه. تصوّر أنه سيرتاح بعد ربع قرن من التشرّد. لكن والده وأشقاءه في الوطن لم يعرفوا الراحة. يطرق رجال الأمن باب البيت، بين حين وحين، ويأخذونهم للتحقيق. أين هو أخوكم المجرم الهارب؟
في نهاية المطاف، اضطر الأب المسن إلى التبرؤ منه. ذهب إلى الجهات الرسمية وأعلن أنه لم يعد له ولد بهذا الاسم. شطبه من سجل العائلة. ارتاحوا من صلتهم بالابن «الضال» الذي كانت جريمته اعتناق رأي مُخالف. لكن متاعبه لم تنته. فقد هاجم مجهولون شقته في البلد البعيد وبدأت تصله تهديدات بالموت إذا هو لم يغلق فمه. ولما طلب حماية الشرطة قيل له: «آسفين. لا يمكننا وضع دورية حراسة على باب كل لاجئ». إن في بلجيكا آلافًا مؤلفة منهم.
نصحوه بالانتقال إلى سكن آخر وتغيير اسمه. وسمع النصيحة وتقدم، وفق القانون، بطلب رسمي إلى ألبرت الثاني ملك البلاد، يلتمس فيه الموافقة على تغيير اسمه من فلان إلى فلان. اختار اسمًا مستوحى من حضارة بلاده. وبعد سنة من ترقّب صندوق البريد وصلته رسالة تفيد برفض الطلب. والسبب هو أن الاسم المقترح يعني شتيمة بلغة المقاطعة التي يقيم فيها. وكان عليه التقدم بطلب جديد واسم جديد. وبعد سنة حصل على الموافقة. لكن موظفة السجل المدني أخطأت في كتابة حرف فصار اسمه مطابقًا لنوع شائع من اللبن في بلجيكا.
تغير النظام في بغداد. وعاد صاحبنا يطرق باب الديوان الملكي طالبًا استعادة اسمه الأصلي. إن للمنفيين والمحكومين حقوقًا وتعويضات. كما أن له حصة ضائعة في ميراث أبيه. وكان ملك بلجيكا ألبرت قد تنازل عن العرش لابنه البكر فيليب. وأحال الملك الجديد الطلب إلى وزارة العدل. وكما نعرف فإن درب المحاكم طويل. سواء عندنا أو عندهم. فقد دخل صاحبنا في معمعة الأسماء الثنائية والثلاثية والرباعية ومحنة إقناع السلطات في بروكسل وفي بغداد بأن السيد لبن البلجيكي هو نفسه المواطن العراقي فلان. والقضية ما زالت قيد المراسلات والمراجعات وكتابنا وكتابكم. والغريب أنه لا يبدو لي يائسًا وهو يروي حكايته الخاصة. بل يفكّر بأن يجعل منها مسرحية يخرجها بنفسه وتحمل الاسم الذي سيستقر عليه بعد أن بلغ الستين. ولو ترك الأمر لي لاقترحت عليه: أيوب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة