زمن التفكك.. زلزال بريطانيا وارتدادات أميركا

زمن التفكك.. زلزال بريطانيا وارتدادات أميركا

السبت - 27 شهر رمضان 1437 هـ - 02 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13731]
إميل أمين
- كاتب مصري

هل بات العالم عرضة لموجة جديدة وغير مسبوقة من التفكك عوضا عن الاندماج؟ يكاد المرء يوقن بأن البشرية قد دخلت بالفعل في سياقات ما عرفه عالم المستقبليات الأميركي ألفن توفلر ذات مرة من عام 1987 بـ«الموجة الثالثة»، والتي بدأت من الاتحاد السوفياتي، واليوم تضرب بريطانيا وربما غدا أميركا.
بعد استفتاء البريطانيين، ارتفعت من جديد أصوات الانفصاليين في ولاية تكساس الأميركية، منادية باستقلال الولاية الجنوبية ذات الناتج القومي الذي يبلغ 1.6 تريليون دولار، ويقطنها نحو 8.4 في المائة من سكان أميركا. هل هذه أول دعوة أميركية انفصالية؟
بالقطع سبقتها دعوات كثيرة مماثلة، ففي عام 2014 صوت الآلاف من سكان ولاية ألاسكا في أقصى الشمال بالانسحاب من التجمع الفيدرالي الأميركي، ومعروف أن ألاسكا كانت جزءا من روسيا حتى عام 1867 عندما باعها الإمبراطور الروسي ألكسندر الثاني إلى الولايات المتحدة.
لا تقتصر دعوات الانفصال على الولايات الحدودية، ففي عام 2012 جرى الحديث عن الدور الخطير للجماعات اليمينية الداعية للانفصال في عشر ولايات أميركية على الأقل، من بينها فيرموت شمال شرق، وهاواي في المحيط الهادئ.
الذريعة التي يحتكم إليها دعاة الانفصال هي أن الولايات المتحدة الأميركية قامت في الأصل على أساس «كونفدرالية» ولايات مستقلة يربط فيها بينها دفاع مشترك ومصالح تجارية، غير أن الدولة الفيدرالية اكتسبت لاحقا سلطة مفرطة ولم تعد تعير انتباها كبيرا للمواطنين بقدر خضوعها لأوامر طواغيت «وول ستريت» الماليين الذين يقودون الإمبراطورية الأميركية إلى الغرق، وعليه يجب القفز من السفينة حتى لا يكون المصير مماثلا لما جرى لأصحاب «تيتانيك».
والشاهد أنه في الفترة ما بين 23 أغسطس (آب) وحتى 16 سبتمبر (أيلول) 2014. أجرت وكالة «رويترز» ومؤسسة أبسوس استطلاعا للرأي حول مستقبل الاتحاد الأميركي، وجاءت النتائج مثيرة للغاية، إذ أشار نحو 23.9 في المائة من الأميركيين أي الربع تقريبا إلى تأييدهم بقوة فكرة انفصال ولاياتهم، وهذا أمر جلل لو تعلم القيادة الأميركية.
مناداة انفصاليي تكساس الأخيرة تجعل الباحث المدقق والمحقق في الشأن الأميركي، يقلب أوراقا مهمة للغاية لعدد من المثقفين العضويين العالميين، أميركيين وأوروبيين وروس، والعجيب أنه رغم أن كل واحد منهم تعاطى مع حال ومآل الولايات المتحدة من زاوية اختصاصه، إلا أن جميعهم توصلوا إلى استنتاجات قلقة حول التماسك العضوي والاجتماعي الداخلي لمواطني البلاد، ولقوتها وسطوتها على العالم، إذ تبدو لهم وكأنها طبقات لم تنصهر بعد في بوتقة الانصهار الأميركية الشهيرة.
من الداخل الأميركي يتحدث المؤرخ الأميركي الكبير بول كيندي في مؤلفه الشهير «صعود وانهيار الإمبراطوريات الكبرى»، ويشير إلى أن البلاد تدفع الآن ضريبة تاريخية تعرف بـ«فرط الامتداد الإمبراطوري»، تنعكس لاحقا بدعوات الانعزالية، وتترجم في الداخل لنعرات قومية وعرقية، ومن هنا تبدأ سردية التفكيك للاتحاد.
لم يكن كيندي الأميركي الوحيد في هذا المضمار، فقد سبقته المؤلفة الأميركية جويل غارو في كتابها «الأمم التسع لأميركا الشمالية»، والعنوان يحمل من دلالات التفكك والتفسخ الكثير والمرعب، لحماة القومية الغربية الأميركية، التي باتت اليوم تعاني من التحلل الأخلاقي وتاليا الآيديولوجي، وصولا إلى السياسي والعسكري والاقتصادي.
لم يكن الأوروبيون بعيدين عن التنبؤات المحسوبة بدقة وبشواهد وقياسات تاريخية بالنسبة لتفكك أميركا، فقد تحدث البروفسور النرويجي يوهان غالتونغ مؤسس ومدير معهد السلام العالمي في أوسلو بالنرويج عن انحلال عقد الولايات المتحدة خلال عشرين عاما، حدث ذلك في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبارك تنبؤاته وأكدها البروفسور الفرنسي وعالم السياسة إيمانويل تود في عمله الشهير «ما بعد الإمبراطورية.. دراسة في تفكك النظام الأميركي».
قبل هؤلاء جميعا أي في أواخر التسعينات قال الباحث والمحلل السياسي الروسي «إيغور بانارين» الذي توقع من قبل ما جرى للاتحاد السوفياتي بأن: «أميركا ماضية في المستقبل المنظور نحو مزيد من البلبلة والاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي تضاهي الحرب الأهلية، ما سيؤدي إلى تفككها وانشطارها إلى ستة أجزاء».
وبالعودة إلى كتاب ألفين توفلر «الموجة الثالثة» نجد إرهاصات ما يحدث في الداخل من عنصرية تجاه السود وأعمال شغب وانهيار أمني وحرائق ومظاهرات، فضلا عن تدني الأوضاع الاقتصادية، تقود إلى التصديق بنبوءة توفلر الأميركي الأنغلو- ساكسوني عن تفكك الولايات المتحدة، والدخول في عصر ما بعد الفيدراليات، أي الدويلات المستقلة. في حين الناظر لتيارات اليمين السياسي المتطرف والميليشيات المسلحة في الداخل هناك، يوقن بأن الاتحاد الأميركي حكما لن يقدر له البقاء لبضعة عقود، ولنا هنا عودة لاحقا.
السؤال المحير الذي يستدعي الآن علماء الاجتماع السياسي لإطلاق «بوق القرن»: ما الذي يجري وهل العالم مقبل على مزيد من التفكك عوضا عن الاندماج؟ وهل كانت بريطانيا حجر الدومينو الأول في المشهد؟ ولماذا انهارت التنظيرات السياسية والآيديولوجية عن زمان وأوان التكتلات الجيوسياسية الواسعة والشاسعة؟
ما يجري جد خطير، إذ يشي بانعكاسات وارتدادات لأزمنة «الهويات القاتلة» من جديد، وتكاد فكرة الدولة القومية تذوب بين العنصرية والطائفية، والإثينية، ولم يعد الأمر قاصرا على التفكيك الثقافي، والمناظرات الفكرية، إنه حقا زلزال ستضرب توابعه أميركا وغيرها من بلدان العالم.. هل هو ربيع الغرب هذه المرة أم شتاؤه القارس؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة