هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «جبنة من غير ملح»

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «جبنة من غير ملح»

السبت - 27 شهر رمضان 1437 هـ - 02 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13731]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

كنت أشاهد عبد الحليم حافظ بعد ظهر كل يوم ينزل الدرج الرخامي العريض حاملاً على وجهه أحزان الكون، هائم النظرات، غارق الخدين كما في أفلامه. ولم يكن ينقص سوى أن يتوقف في منتصف الدرج ويغني، باسمه، واسمي ولوعات جميع من هم في العشرينات، «صافيني مرة، وجافيني مرة».
لكنه طبعًا لم يفعل، بل كان يجلس قليلاً في البهو الملكي العالي والخالي من معجبيه الكثر، إلا مني. وبدل أن أرى في ذلك فرصة للتحدث، في ذلك الجو الودي، إلى أشهر مطربي المرحلة، شعرت بالخجل. يجب ألا أستغل المصادفة لأقتحم عالمه. فهذا الآن منزله، ولو كان فندقًا.
عدا ذلك، كان كل من في الفندق عاديًا أو مجهولاً مثلي. فالقاهرة «الحقيقية» كانت لا تزال ما بين «الشيبرد» القديم و«الهيلتون» الحديث. «الشيبرد» كان من أيام الاستعمار البريطاني، بناه أحد الضباط، و«الهيلتون» كان رمز توافد «نهج الحياة الأميركية». ولكن سعيد فريحة سرعان ما حوله إلى نقطة التقاء لأسلوبه في الحياة، وفي السهر، وفي استقبال الزملاء، وفي صرف المال باليمنى واليسرى، ونفخ الباقي في الهواء.
كانت مأدبته في الهيلتون تضم كل مساء عشرة ضيوف على الأقل. ولكل ضيف أن يطلب ما يشاء. وكان ضيفه الدائم مدير «دار الصياد» في القاهرة سليم أبو الخير. وكان سليم عملاقًا ضخمًا في حالة حمية دائمة. وذات مساء خطر له أن يطلب «جبنة من غير ملح». ونادى سعيد فريحة على «الميتر» طالبًا «جبنة من غير مَلح»
انحنى «الميتر» معتذرًا. وهمس في أذن المضيف أن مصر في حالة تقشف و«الجبنة من غير مَلح» ترف أجنبي، وليس في المطعم سوى جبنة بلدي. وضرب سعيد فريحة بقبضته على الطاولة: أو جبنة من غير ملح أو بلاش أكل! وأرسل الهيلتون فرق البحث عن «جبنة من غير ملح» تطوف القاهرة. وفي هذه الأثناء كان بقية الضيوف يتضورون جوعًا، وسليم أبو الخير يتصبب عرقًا لما تسبب به من إحراج للفندق وإزعاج للمدعويين.
ونحو العاشرة مساء، عاد أحد رجال مباحث «الجبنة من غير ملح» وهو يلهث. لقد عثر على «أقة» منها في صالون الأجانب في المطار. وهرع الميتر إلى المطبخ وعاد وقد زين صحن الجبنة «بتاج» من النعناع. وهمّ الجميع بالأكل فرحين بوصول النجدة. ولكنهم ذُهلوا أمام المنظر: سليم أبو الخير حاملاً مرشة ملح يكبّها على «الجبنة من غير ملح» مثل إعصار.
إلى اللقاء..


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة