التوأمان و«داعش»: من الصدمة إلى محاولة الفهم

التوأمان و«داعش»: من الصدمة إلى محاولة الفهم

الثلاثاء - 23 شهر رمضان 1437 هـ - 28 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13727]
يوسف الديني
كاتب سعودي

ما زالت جريمة التوأمين الداعشيين وارتكابهما جريمة بشعة تمثلت في استدراج الوالدة وطعنها، ثم بقية الأسرة باستثناء فتاة صغيرة تمكنت من الهرب، بحجة تصفية العائلة «المرتدة» من وجهة نظرهم، لأنها حالت دون خروجهما لمناطق التوتر والانضمام إلى «داعش» التجربة التي تراود أحلام المراهقين؛ بسبب حجم الدعاية الكبيرة على شبكة الإنترنت و«تويتر»، وهي المنصات التي يقضي عليها معظم الشباب أوقاتًا طويلة يصل معدلها بين الشباب السعودي أكثر من متوسط 6 ساعات يوميًا، لا سيما إذا أخذنا بالقرائن التي تدل على نجاح «داعش» في الاستقطاب ما ورد في تغطية وزارة الداخلية، التي كانت صريحة ومباشرة محددة موضع الخلل بأنهما انتسبا للفكر التكفيري، بينما انشغل المجتمع في نسج الأوهام من هول الصدمة بربط الموضوع بالمخدرات، أو الخلل النفسي أو الاضطراب السلوكي، وكل هذه محددات تنتج شخصية عنيفة، لكن تظل الفكرة ناقصة ما لم يخلق الدافع الآيديولوجي، الذي يقف وراء التضحية بالحياة - الانتحار، هذه العدمية الطافحة في المنتحرين من تنظيم داعش استغلها التنظيم ليحولها إلى إغراءات توصل في نظر هذا التنظيم المتطرف إلى الحور العين أو الخلافة في الأرض والعيش في التوهم، ومن يشكك في إمكانية خلق دافع ديني يبرر حتى قتل الوالدين والأولاد والأقارب، فعليه أن يرجع إلى تأصيل مدونات الإرهاب كـ«حقيبة المجاهد» وغيرها، التي تجعل المعركة معركة «كفر وإسلام» دون أي اعتبار لمفاهيم الإسلام والقرابة، فضلاً عن المواطنة أو المعاهدين، ولذا فأي ترحيل لمشكلة إرهاب «داعش» إلى زوايا غائرة نفسية أو سياسية أو اجتماعية، لا يكفي في ظل بقاء محرك الدافع الديني، هذا الترحيل يمارسه للأسف مشايخ ودعاة وإعلاميون، بهدف عدم حمل عبء المسؤولية تجاه الفراغ المفاهيمي الكبير الذي يعيشه شبابنا.
والحق أن مشكلة نجاح «خطاب (داعش)» ليس إلا خيطًا رفيعًا من انهيارات كبيرة يعيشها «البيت السني» ساهمت في تقديم هزال «داعش» الفكري كبديل لدى بعض الشباب الصغار، ممن ولد تقريبًا في بداية غياب المرجعيات الدينية التقليدية، وانشقاق الإسلام السياسي لاحقًا، الذي ساهم في تحجيم الخطاب الديني التقليدي واستبداله أو تثويره من الداخل لأهداف سياسية، ومن هنا بات الفضاء الديني كلاً مباحًا للجميع، وباتت الفتوى على مرمى ضغطة زر في الإنترنت، وأصبحت هناك هيئات شرعية وشخصيات اعتبارية داعمة للإرهاب عبر خطاب من مستويين: أحدهما عام يغلب مسائل وأزمات الأمة على طريقة المعارضة السياسية، وخطاب آخر يحاول فيه تبرير الإرهاب وإلقاء اللائمة على الأوضاع السياسية، وفي العمق لا يختلف جزء كبير من مقولات عدد من رموز الإسلام السياسي وخطاب «داعش» في الأصول، وإنما الخلاف في تطبيقات وممارسات تلك المفاهيم، وأي تخاذل في مراجعة مفاهيم التكفير والحرب والجهاد، وتعميم برامج اجتماعية تناقش التفاصيل وتحاور الشبه، وليس مجرد إطلاق صيحات التحذير والتجريم على طريقة الإعلانات، يعني استمرار انتصار صوت «داعش» في خطف أرواح شبابنا.
نحن اليوم أمام نخب معولمة مقاتلة لا يربطها شيء سوى الانتماء المصلحي لتنظيم داعش، الذي عدا دوره الإعلامي يقوم بمنح المباركة للعمليات الإرهابية، وينقلها من حيزها الفردي، لتصبح فرقعات إعلامية تعزز صورة التنظيم المرعبة التي يكرسها عبر دعمه لهذه العمليات الانتحارية، وبسببها يقوم باستقطاب المزيد عبر آلة الدعاية المتفوقة على كل التنظيمات الأخرى لأسباب تتعلق بشعاراتها وقدرتها على النفاذ إلى قلوب الشباب في أوقات الأزمات الكبرى والإخفاقات النفسية، وأيضا في ظل غياب أي مقاومة فكرية منهجية رغم النجاحات الأمنية التي تتعامل مع الحدث فور وقوعه، إلا أن الوقاية منه أدوار يجب أن يبادر المجتمع برعايتها والاستثمار فيها؛ لأن الاستثمار في الحرب على الإرهاب، هو استثمار في استقرار الوطن والحفاظ على مكتسباته.
جيل «داعش» الجديد أكثر وعيا بطبيعة الصراع، وأكثر تأسيسا على مستوى الأفكار التي تبدأ بتكفير الواقع، ثم تبني وجوب الهجرة، وصولا إلى التحول إلى داعية للانخراط في التجربة المسلحة. هذه المراحل الثلاث: التكفير، والهجرة، والدعوة، تندرج تحتها مئات الطرق والأنشطة والمنتجات، سواء على الشبكة، أو حتى فيما كان يعرف قديما في «القاعدة» المبكرة بالتنظيم الشبكي القائم على اصطياد الكادر ضمن شبكة المعارف، إلا أنه مع «داعش» اتخذ وسائل أكثر تنوعًا وتطورًا فلم يعد يكتفي بالتنظيم الشبكي العنقودي، بل أصبح التجنيد فرديًا، ودون أي حاجة إلى التحرك بشكل يثير ريبة أجهزة الأمن والاستخبارات، وهو ما يعني تحول العالم كله إلى مرمى للانتحاريين «الذئاب المعزولة»، الذين لا يفكرون في أبعد من الانتحار في سبيل دعم وخدمة «داعش» الذي استطاع انتزاع الولاء منهم عبر الإنترنت، فيما نفشل في تكوين خطاب مجتمعي مضاد يعبر عن فعالية دائمة وليس مجرد ردات الفعل المؤقتة.
وفي سبيل قطع الطريق على المزايدين في موقف المملكة من الإرهاب، تأتي هذه الحوادث المروعة لتؤكد أن المملكة هي أكثر البلدان التي يستهدفها الإرهابيون وتنظيم داعش، لكن الأهم هو تحويل هذه الأحداث الإرهابية إلى عامل يقظة وتوعية مجتمعية ليس عبر رفضها وإدانتها، بل بتحليل دوافعها والأفكار الأساسية التي ينطلق منها الإرهابيون ومناقشتها في الهواء الطلق بوضوح.
الأكيد أن المجتمع السعودي يدفع أثمانًا غالية في الحرب مع الإرهاب منذ فترة طويلة، وتأكد ذلك أكثر بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، الذي منح بعض المناعة من التطرف، وذلك بسبب الضربات الإرهابية التي طالت داخل المملكة واستهدفت الذات، لكن واقع الأزمات السياسية التي تعيشها المنطقة في العراق وسوريا ووضعية الشعب السوري أمام نظام الأسد الدموي، خلق ثغرات سياسية سهلت من نفاذ فكرة العودة إلى القتال في مناطق التوتر، وهو ما يعني أن المناعة التي تذوقناها عقب الحادي عشر من سبتمبر كانت مؤقتة؛ بسبب التفوق الأمني وليس لأنها مبنية على خطاب ثقافي وتربوي وفكري وديني ممانع. ولذلك، لا يمكن الحديث عن ضرورة تغذية المناعة الاجتماعية تجاه أفكار «الإرهاب» العنيفة فحسب، بل الأهم الآن الشروع في برامج مناعة اجتماعية ضد التطرف بكل أشكاله؛ لأن التطرف هو المكون الأساسي لكل الأفكار المشتركة لتنظيمات العنف المسلح.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو