المخيال الغامض للديمقراطيّة

المخيال الغامض للديمقراطيّة

الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13725]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

إن فكرة الديمقراطية عريقة. وهي طبقًا لمعناها المتطور، إنما تعد من مكاسب الثورة الفرنسية، وذلك رغم كل الإرهاصات التي سبقت تبلورها على النحو الذي خلصت إليه في الفضاء الأوروبي تدريجيًا منذ القرن التاسع عشر.

فالديمقراطية كمفهوم هي مجال جدل وتجاذب: المسلمون يقومون بتأصيل فكرة الديمقراطية وإعلان ريادة الثقافة الإسلامية التي ابتكرت مبدأ الشورى في الحكم. في حين أن الثقافة الغربية تربط بين الحداثة وانبثاق فكرة الديمقراطية.

ما يلفت الانتباه أن الديمقراطية كفكرة تحتاج إلى تغذية متواصلة وإلى عناية دائمة ومستمرة. ولا يكفي أن تكون عريقة في بلد ما حتى يتمّ ضمان احترامها وتغلغلها في تمثلات جميع أفراد المجتمع، بنفس القوة والهضم والتمثل الواعي. وفي هذا السياق نشير إلى حادثة اغتيال النائبة البريطانية جو كوكس التي تعتبر - أي حادثة الاغتيال - في معنى من معانيها طعنة في الديمقراطية الإنجليزية العريقة.

ونفس الشيء في البلدان الأوروبية القوية الأخرى وحتى في الولايات المتحدة الأميركية، إذ رأينا منذ تاريخ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ظاهرة التعامل بمكيالين مع استحقاقات مفهوم الديمقراطية، وكيف أنّها أحيانًا تضيق وأحيانًا تستعيد مساحتها. وهو ما يعني أنها فكرة لا تزال رهينة التفاوض المستمر وأحكام السياقات أيضًا.

وفي الحقيقة فإن التجاوزات الأوروبية الأميركية في حق مفهوم الديمقراطية وشروطها، قد أربكت عملية فهم الديمقراطية وجعلت استبطانها لدى المجتمعات التي تتوق إلى الديمقراطية وتطمح إليها استبطانًا يتميز بالتعقيد والغموض والضبابيّة.

ففي هذا الإطار نضع اليوم الحيرة القائمة الذات في مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة في خصوص مسألة الديمقراطية، حيث يبدو الفهم مشوشًا ويطغى عليه غموض ولخبطة أنتجا مواقف مختلفة وخطابات متعارضة حول الديمقراطية.

فالانتقال من طور الحكم الشمولي والحلم بالديمقراطيّة على الطريقة الغربية إلى انهيار النظم الشمولية في البلدان المعروفة دون تنعم بثمرات الديمقراطية، قد أربك مخيال النخب العربيّة المفتون بفكرة الديمقراطية، فإذا بالنخب الحداثية الليبرالية تلعن الديمقراطية سرًا التي جاءت بالأحزاب الإسلامية إلى الحكم في تونس ومصر. كما تلعن النخب الحاكمة بشكل مضاعف تطاول الإعلام على رجال السياسة ومساندتهم الاحتجاجات ومناصرتهم الشعب بحق ودون وجه حق.

وإلى جانب هذه اللخبطة في ترتيب عناصر مفهوم الديمقراطية وتخليصه من شوائب الاستعمال والتوظيف، بدأ يظهر نقاش اليوم خافت النبرة حول أيّهما أكثر أهمية: الديمقراطية الاجتماعية أم الأخرى السياسيّة؟

طبعًا هذا السؤال في الديار العربية والإسلامية ليس جديد الطرح، إذ كان من ضمن مجموعة الأسئلة الكبرى التي طرحتها الدول العربية في بداية الاستقلال. ولقد تمّ حسم الحيرة آنذاك بتبني الديمقراطية الاجتماعيّة واعتبارها الأكثر أولوية. وهنا نستحضر التجربة البورقيبية التي اعتمدت هذا النهج مؤجلة الديمقراطية السياسية إلى أجل غير محدد.. وكان التركيز على التعليم والصحة. وكان المنطق المهيمن على الخطاب السياسي آنذاك أنّه لا يمكن لمواطن مهدّد الصحة وغير متعلم أن يعي حقوقه.. والغريب أن هذا التفكير كان مقبولاً آنذاك.

غير أنه بالتركيز الأحادي على ما يسمى الديمقراطية الاجتماعية (مع وجود فوارق كبيرة بين الدول العربية) تبين أن أبعاد الديمقراطية تعبير سياسي عن أبعاد التنمية، التي لا يمكن عزلها عن بعض وأنها تتكامل في خضم نظام من العلاقات الجدلية المتداخلة.

بمعنى آخر، عندما نفكر في الديمقراطية الاجتماعية على حدة والأخرى السياسية على حدة، فإننا نقوم بفصل ما لا يُفصل. إضافة إلى معطى آخر مهم، وهو أن الاجتماعي هو جوهر وهدف مختلف مجالات الديمقراطية كافة. فكل ديمقراطية هي اجتماعية بالضرورة وأولاً وأخيرًا. ذلك أن الديمقراطية السياسية، تخضع فيها المشاركة السياسية إلى التنافس على إشباع توقعات الشعب اجتماعيًا. الشعب ينتخب بحثًا عن نخبة سياسية مبدعة وخلاقة وقادرة على تقديم إجابات أكثر تلبية لمطالبه الاجتماعية والأحزاب السياسية تتنافس من خلال تقديم مضامين اجتماعية قادرة على تحقيق طموحات الناخبين.

وهكذا نستطيع أن نفهم لماذا رغم الديمقراطية السياسية الناشئة في بلدان الثورات العربية فإنه ظل نفس القلق ولا نكاد نعثر على مظاهر شعور بأهمية الديمقراطية السياسية. فهذه الديمقراطية السياسية لم تتجاوز سقف الكلام والبرامج التلفيقية والانبهار بعلو الصوت والسبّ والشتم. لذلك فهي ضعيفة الصلة بمدلولات الديمقراطية السياسية في المستوى النظري، لأنها فارغة من الهدف الاجتماعي ومضمونه.

من هذا المنطلق وغيره، نعتقد أن كل ديمقراطية هي اجتماعية بالأساس، وأنّها لا يمكن أن تكون غير ذلك. وما يجب أن يتم استيعابه بوضوح في حقولنا السياسية بشكل عام هو أن التحديات الاجتماعيّة هي الرهان الأكبر والامتحان الأكثر صعوبة. وما الديمقراطية السياسية إلا من أجل ضمان التعددية السياسية ودوران النخب على الحكم والمشاركة السياسية كحق للجميع.. ولكن فقط من أجل تقديم البدائل الاجتماعية ومشاريع التغيير الاجتماعي نحو مزيد الرخاء والتقدم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة