بريطانيا حرة!

بريطانيا حرة!

الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13725]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ضربة صاعقة، لكل أولئك الذين ينشدون التعايش والانفتاح، ويحلمون بعالم متسع ومتسامح. وهو نموذج مشتهى، يتقلص اليوم، حتى يكاد يتلاشى. صحيح أن النزال لا يزال قائمًا، بين من يعتبر خروج بريطانيا من الاتحاد أجدى لها، ومن يراه كارثة ستتبدى نتائجها في القريب العاجل، إلا أن أحدًا لا يفترض أن ينكر بأن ثمة زلزالاً حدث، وأن الغد لن يكون كما سبقه. ليس لأن بريطانيا نصف الدنيا أو كلها، بل لأن قرار المغادرة، في هذه اللحظة بالذات، وما يرافقه، يعطي مؤشرات إلى أن أكثر شعوب الأرض استشراسًا في سبيل التوحد، باتت تنزع بقوة، إلى الاستقلالية، والتقوقع، وتقاتل من أجل وطنية منغلقة. «بريطانيا أولا» العبارة التي صرخ بها قاتل النائبة المغدورة جو كوكس، وهو يرميها بالرصاص ويطعنها ويركلها، قد تكون صوت مئات ملايين المواطنين حول العالم الذين يطلبون أمنًا وحياة هادئة، على بقعة صغيرة يركنون إليها، بعد أن أثبتت غالبية النظم السياسية، حتى الأكثر ديمقراطية منها، عجزها عن التأقلم مع ما تولّده، بسرعة هائلة، التكنولوجيا الذكية، من أساليب عيش، وطرائق تفكير، وتزايد احتياجات وطموحات. فصوت القاتل البريطاني، لا يختلف كثيرًا عما يقوله كردي في العراق أو تركيا، وربما أمازيغي في الجزائر، أو مسيحي في لبنان أو علوي في سوريا يطالب بالفيدرالية. الجميع ينشد ما يسمونه «الحرية» التي تحدث عنها زعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج، معلنًا نصره على المشروع الأوروبي «الفاشل». تحدث فاراج، بعد أن حقق هدفه التاريخي المنشود، كأي زعيم انشقاقي عالمثالثي، يتطلع إلى «السيادة»، وبزوغ «فجر الاستقلال»، والتخلص من براثن العولمة المتغولة التي جلبت الشركات المتعددة الجنسيات والمصارف المتوحشة، والسياسات الشاملة ذات الأبعاد التي تتعدى حدود الدولة الصغرى. ولك أن تلحظ كيف احتفى الرجل بـ«انتصار الإنسان العادي». وهو تحديدًا ما يمكن أن يحيل إلى النفور من فكر النخب ومخططاتها ورؤاها البعيدة المدى، التي تحمّل اليوم، مسؤولية إفقار العباد وبطالتهم. وهو أيضًا ما يذكر بكتاب جميل للعبقري الإيطالي أمبرتو ايكو، عنوانه من «السوبرمان إلى الإنسان المتفوق» يتحدث فيه عن موت البطل وإمكانية تحويل إلى إنسان عادي جدًا، وبوقت قياسي، إلى نجم متألق، بفعل الوسائل الإعلامية والإعلانية الحديثة.

صعود اليمين المتطرف في كل أوروبا، وحديث هؤلاء في فرنسا عن رغبة في استفتاء، لنيل «الحرية» ومثلها الأصوات التي تتصاعد في هولندا، وتأفف المتطرفين في ألمانيا، من خروج بريطانيا وما يعنيه من وقوع العبء المالي الأكبر على بلادهم، في السنوات المقبلة، يدلل بسهولة على أن أوروبا، تعيش مخاضا قد يؤدي إلى تصدع سريع، وتهالك قد لا تصمد بعده. ومن هنا يفهم كلام الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أنه «لم يعد بوسع أوروبا الاستمرار كما قبل، وعليها في هذه الظروف أن تبدي تضامنها وقوتها». متوقعًا «نموًا متزايدا لشعبية اليمين المتطرف في القارة لا بد من مواجهتها».

خروج بريطانيا من الاتحاد ليس نهاية العالم، بالتأكيد، لكنه بداية جديدة، طالما أن اسكوتلندا صوتت لعدم الخروج، وتمني النفس بالاستقلال، وبأخذ دور لندن مركزا للشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، ومثلها آيرلندا التي تريد استفتاء لتستعيد وحدتها، وربما لتلحق بأوروبا من جديد.

التململ الأوروبي، يبشر باستفتاءات كثيرة مقبلة، ستغير الخريطة السياسية الحالية، وحتى الاقتصادية، وستبدل مراكز الثقل في القارة العجوز. وضع يحتاج إلى شجاعة في اتخاذ القرارات، وإحداث انقلابات طوعية لدنة، قد تكون جذرية، لإرضاء الشعوب الغاضبة. للمرة الأولى، منذ زمن طويل، نرى النفايات جراء الإضرابات تتراكم في فرنسا، كما لو أنك في بيروت، واعتقالات لعشرات أثناء مظاهرات بسبب قانون العمل. لقمة العيش لم تعد سهلة، والحلول ليست في جيب أحد، والأنظمة السياسية كما قوانين الاتحاد الأوروبي، تبدو وكأنها تجمدت في القرن العشرين.

الاهتمام الشعبي العربي باستفتاء بريطانيا، ليس عبثيًا، ثمة ما يستحق الترقب عن كثب. العرب سريعو العدوى، قليلو المناعة، حيال مثلهم الغربي الأعلى، الذي طالما نظروا إليه بشديد انبهار. فالدولة القومية أغرتهم وسحرتهم حدّ التمرد على الدولة العثمانية، وابتلاع «سايكس - بيكو»، ولو على مضض. منظرو القومية سال حبرهم كثيرًا، ونظّروا طويلاً، لنيل ما نحن عليه اليوم. وتشظي أوروبا (القارة)، مع المجازر التي نعيشها من اليمن إلى ليبيا، سيغري البعض باستعارة المفاهيم وتطبيقها جزافًا، على ما هو مفتت أصلا. وإذا كان العرب قد فشلوا في تحقيق حلمهم الأكبر بتقليد الاتحاد المتماسك سيكون أسهل عليهم، التشبه به، وهو يتصدع وتعاد صياغته من جديد. أن تقول بريطانيا «لا» لأوروبا، أمر يتطلع إليه العرب، مثلا يحتذى، ولن يطول الأمر قبل أن نسمع عمن يتخذه قدوة، ولو كانت النتيجة إحراق ما تبقى، وإغراق ما نجا.

التعليقات

شعيب
البلد: 
المغرب
26/06/2016 - 01:27

التجربة البريطانية هي التي ستحدد مستقبل الاتحاد . و المفوضات مع الاتحاد ستكون صعبة لانه ادا اصبت برطانيا اضرار طويلة الامد فان احد من الاعضاء لن يفكر بالانسحاب . و اضن ان زعماء الاتحاد سيحولن معاقبة برطانيا باي شكل ممكن.

shaadi
البلد: 
germani
26/06/2016 - 10:03

يا سوسن العالم يتغير بشكل رهيب وهذه علامات الساعة لقد بدأت من تفكك الاتحاد السوفييتي ثم ما يحصل ببلاد الشام وستستمر الى النهاية المحتومة
على العالم ان يتحضر لما سيحصل من أمور ربانية قادمة

ناصر العمار
البلد: 
الرياض
26/06/2016 - 11:48

وهل هناك ما تبقى ونجا.

عبد المجيد الطيبي
البلد: 
المغرب
26/06/2016 - 17:12

تحليل منطقي و اسلوب سهل سلس و المضمون يعبرعن الواقع التاريخي الحاضر لاروبا و العالم العربي . تحية اليكي كاتبتنا العزيزة .

محمد بن هلال
البلد: 
الامارات
27/06/2016 - 03:53

بريطانيا لم تكن تقود الاتحاد الأوربي ربما لهذا خرجت...!؟ هي التي اسست امبراطورية ثم خسرتها ليس بسبب الحربين فقط بل بسبب عقليات رجعية تعيش أمجاد التفرد والتنييز القديم.
بالنسبة للعرب واحلام القومية العربية: مشاكلنا مختلفة، إقرؤوا ل محمد جابر الانصاري (من البحرين) : العرب والسياسة، وكذلك: الدولة القومية.

سفيان
البلد: 
عراق
27/06/2016 - 12:01

مقال وتحليل رائع

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة