هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «إلى جانب حمّاد الراوية»

هوامش الأسفار ولطائف الأخبار: «إلى جانب حمّاد الراوية»

الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13725]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

كانت الطائرة المصرية المتجهة من الخرطوم إلى نيروبي مزدحمة بالوجوه المعروفة، وبينهم عدد من الفنانين، بينهم - يا بقايا الذاكرة، هل صحيح - النجمة مديحة يسري؟ وكنت أحب مديحة يسري لأدوارها الراقية، وأيضا لأنها كانت تشبه ابنة خال من أخوالي مثل توأم، ولذا اعتبرناها جميعًا من العائلة.

منعني الخجل من الحديث إلى الوفد الفني، وكذلك الحرص على راحتهم. غير أن حظّي كان في جلوسي إلى جانب الدكتور محمد فتفت، سفير لبنان لدى الجامعة العربية الذي كلّف تمثيل الدولة في احتفالات كينيا. لا أذكر مدة الرحلة، لكن طوالها كان الدكتور فتفت يتحدث في الشعر العربي. ولولا أننا على بعد كل تلك السنين، لخيل إليّ أنه حمّاد الراوية وحافظ المعلقات. وكان يقال: إن حمّاد كان إذا تعثر في تذكر بيت من قصيدة، أدخل بيتًا من عنده. وهكذا شعرت والدكتور فتفت يتنقل من معلقة إلى ملحمة، ومن المتنبي إلى أبي تمام.

عندما ترجلنا من طائرة «الكوميت» اعتقدت أننا هبطنا في مطار خطأ. أين أفريقيا وأفيالها؟ لم أكن قد عرفت لندن بعد، لكن هكذا بدا مطار نيروبي بحداثته ونظافته ورقي الخدمة فيه. وجمال العاملات. وعلى ما غنت فيروز في قصيدة مكة «ربي أعز الناس كلهم، سودا كانوا أم بيضا».

لقد بنى الإنجليز نيروبي كما بنى الفرنسيون الجزائر، أي كأنهم باقون هناك إلى الأبد. كانت كما تسمى، خطًا حديديًا موحشًا يشق البرية وحيدًا، ثم حولت إلى عاصمة أفريقيا الشرقية. وقاتل جومو كينياتا البريطانيين في الأدغال بشتى أشكال الإرهاب، لكنه حرص على تقليد تقدمهم بعد تحرر بلاده. جميع أبطال الحرية تخرجوا في جامعات وسجون المستعمر: نهرو، وكينياتا، والحبيب بورقيبة، هوشي منه، وغيرهم.

لم أكن أتخيل إطلاقًا أن هذه هي أفريقيا التي طالما قرأت عنها أو رأيتها في الأفلام. في الطريق من المطار إلى الفندق، خلتنا بين تلال مدينة أوروبية. بيوت جميلة خلف حدائق، وطرقات حديثة. وكان هتلر قد عاد من روسيا بشيء مفيد واحد. أخذ منها فكرة الطريق السريع: «الأوتوبان» وطوّره. وها هو الاستعمار البريطاني يترك لكينيا كل ما لديه من هيكليات حديثة.

إلى اللقاء..


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة