سقطة أمين معلوف

سقطة أمين معلوف

الأحد - 7 شهر رمضان 1437 هـ - 12 يونيو 2016 مـ رقم العدد [13711]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
«غلطة الشاطر بألف». وأمين معلوف حاذق في الأدب بالتأكيد، لكنه رخو الآراء، وضعيف في الحساب. فظهوره على شاشة إسرائيلية، قد يحقق له بعض المكاسب السريعة، لكنه يترك ندبة سوداء على سيرته، في عيون ملايين القراء العرب الذين حملوا له إعجابًا كبيرًا واعتزازًا جمًّا. معلوف دخل الأكاديمية الفرنسية لأصوله اللبنانية، كما اختير لها آخرون في الفترة عينها، لأصولهم غير الفرنسية تحديدًا، ولرغبة في فتح هذا الصرح الاستثنائي، أمام فرانكفونيين آتين من مشارب متنوعة. ومعلوف في فرنسا، معروف بلبنانيته وشرقيته، كما بنبرته الدافئة وأفكاره التسامحية، فلماذا أراد الآن من نفسه، أكثر مما يطلب منه؟ بماذا يفكر أمين معلوف؟ وما الذي يرمي إليه؟
لوثة إرضاء الغرب صارت مرضًا مستفحلاً. تقرأ روائية تذكر بمذهبها عشر مرات، في رواية واحدة، كي تلفت إلى اضطهاد العرب للأقليات، وتفوز فوزًا مبينًا. وتجد آخر يتقصّد الكتابة عن أهل طائفته المعذبين لينال ترجمة على طبق من ذهب، وحدّث ولا حرج عن النساء اللواتي يمتطين نسويتهن وما تعانيه المرأة ليتسلقن سلم المجد الغربي، أو ذاك الذي يرثي للمثليين في بلاده، كي يحظى بلجوء سياسي. والبائس في هذه التجارة، أنها لا تنتج حليبًا دسمًا، وإنما بعض الدعوات، وترجمات لا يقرأها أحد، ومؤتمرات تنتهي ولا يعرف بها إلا أصحابها، وحلقة المنتفعين من حولهم.
لم يكن أمين معلوف يومًا، عروبيًا كبيرًا ولا وطنيًا حماسيا، وهو على كل حال، لا يحب ذلك ولا يستسيغه، ولم يطالبه أحد بتعديل موقفه المليء بالظلال الذي حافظ عليه منذ كتابه الأول. وقد أحبه الفرنسيون ومنحوه «غونكورهم»، كأديب يحب الوقوف عند التقاطعات، ويعشق عمل التوازنات، ويعفّ عن الصدام، ولم ينتظروا منه أفضل، كي يدخلوه أكاديميتهم، ويجعلوه من الخالدين.
هذه المرة أخطأ أمين معلوف في التموضع، الذي يدرسه جيدًا، في العادة، كما ينتقي كلماته، ويقول إنه يحذرها ويرتاب منها؛ إذ إن أكثرها شفافية - في رأيه - غالبًا ما يكون أكثرها خيانة. وإحدى هذه الكلمات المضلِّلة هي كلمة «هوية» تحديدًا.
ومعلوف على حق، فالنخبة العربية، وهو أحدها، تائهة، وهويتها الملتبسة ليست فقط قاتلة لها، وإنما سامة لمحيطها الذي يفترض أنها قدوته ونموذجه وضميره. البعض يتساءل، لماذا تم العفو عن عملاء لبنانيين، مارسوا الخيانة فعلاً وحملوا السلاح ضد أبناء وطنهم، كما تم العفو عن سياسيين لبنانيين تعاملوا مع إسرائيل وأعلنوا توبتهم، فيما تقوم الدنيا، ولا تقعد، إذا أطل أمين معلوف، بمقابلة، تحدث فيها عن كرسيه رقم 24 في الأكاديمية الفرنسية والـ18 فذًا الذين سبقوه عليه. بالتأكيد بمقدور أمين معلوف أن يعطي ما يشاء من المقابلات لمحطات أو إذاعات أو صحف إسرائيلية. وله أن يتخذ ما يحلو له من المواقف، حتى لو صدمت قراءه أو أزعجتهم، فكل حرّ بما يفعل. لكن السؤال ما الذي يمكن أن يجنيه أمين معلوف؟ وهل يظن أن مجده لن يكون إلا صناعة غربية، حتى لو حاز نوبل، وهو ربما ما يسعى إليه؟
لم يبالِ محمود درويش بالجوائز، ولا باستجداء أحد، كتب حبه لفلسطين وعروبته، ولون شعره الفحمي ولون عينه البني، وعن عقاله وكفه الصلبة كالصخر تخمش من يلامسها، وعن كروم أجداده التي سلبت، وقال غير وجل: «أنا لا أكره الناس، ولا أسطو على أحد، ولكني إذا جعت، آكل لحم مغتصبي، حذار حذار من جوعي، ومن غضبي». ومضى الشاعر إلى قبره غير عابئ إلا بكلمة حق يقولها، ومن هنا عظمته. ونال نجيب محفوظ نوبل، واتهمه البعض بتنازلات أمام «كامب ديفيد»، لكنه على أي حال كان يستحقها، وترجم إلى لغات الأرض لكنه بكل تأكيد، لم يقرأ ولم يعشق بأي لغة، ولن يبقى حيًا، في أي ضمير غير الضمير العربي الذي خاطبه بصدق وحساسية مذهلين. أمين معلوف كتب بالفرنسية، وقرأ بلغات العالم، وحاز الشهرة والجوائز، ومع جنسيته الفرنسية، بقي لبنانيًا أولاً في عيون كثيرين. وهو يخطئ كثيرًا، إن ظن أن فرنسا تغنيه عن حب لبنان والعرب له. فجبران خليل جبران وضع كتبه بالإنجليزية وترعرع في بوسطن، وعند موته عاد ليرتاح في بشري، وله في وطنه من العشق ما يوزع على العالم. قد تكون مقولة «لا كرامة لنبي في وطنه» صحيحة، لكن لا ذكر لأديب يبقى، من غير تقدير قومه. وأمين، ابن رشدي المعلوف صاحب الـ«مختصر المفيد» قال في إحدى مقابلاته القديمة، إنه لا يزال «يرى مناماته بلغته الأم»، وتحدث عن حزنه لخسارة اللغة العربية لفرصها، لأنها لا تستثمر بعدها الإسلامي كي تنمو وتترعرع، كتب في البداية بالعربية، ولم يكن يتخيل يومًا أن ينتقل للفرنسية. وهو، يحتاج اليوم، ربما، أكثر من أي وقت مضى، أن يستعيد بهدوء، تجارب غيره من الأدباء، ويعاود مشاهدة مقابلته على تلفزيون «إسرائيل 24» حيث تبعه مباشرة، وفي البرنامج نفسه خبر عن فيلم للفيلسوف الفرنسي اليهودي، العاشق لإسرائيل برنارد هنري ليفي، الذي يجوب العالم، طولاً وعرضًا، ليؤكد حق إسرائيل في الوجود، ويخدم مصالحها.
نحن لا نطالب أمين معلوف أن يصبح نسخة عربية عن ليفي، لا سمح الله، وإنما فقط أن يحتفظ بحياديته التي كان يختبئ وراءها، ونحن له من الشاكرين.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
11/06/2016 - 23:43

يكفي العربية تنويه الله تعالى بها في غير موضع من القرآن الكريم، فكثيراً ما ورد وصف القرآن بالعروبة كتدليل على أنه تعالى أكمل جماله باللسان العربي مثل "بلسانٍ عربي مبين" و "قرآناً عربيا غير ذي عوج" و "وهذا قرآن عربي مبين" وغيرها الكثير، عذا ما ورد في الآثار النبوية من أن العربية سوف تكون لغة الخطاب في يوم الدين بين الخالق جل شأنه وخلقه وهو لسان أهل الجنة، أنها أجمل وأكمل وأبلغ لغات الأرض وأكثرها دقة في التصوير الصوتي.

أ.د. عمر بن قينه
البلد: 
الجزائر
11/06/2016 - 23:43

بورك فيك يا بنت العرب!

سليم شاتيلا
البلد: 
كندا
12/06/2016 - 05:04

أنا من قراء الكاتب أمين معلوف وقد صدمت لنبأ مقابلته للقناة الاسراءيلية ، املا ان تكون هفوة لن تتكرر ، هذا واشيد بمقالة الأديبة سوسن الأبطح التي عبرت ببراعة كاملة عن شعور كل الذين تعنيهم قضية العروبة ،فشكرا لها .

الشريف
البلد: 
الجزائر
12/06/2016 - 07:32

الله يعطيك الخير والصحة يا عربية, تاكدي انهم سيمنحونه جائزة نوبل

سيف السعدون
البلد: 
بريطانيا
12/06/2016 - 09:45

المقال منصف وواقعي، نعم الحياد في موضوع التواصل مع إسرائيل مطلوب على أقل تقدير، فنحن نطالب غير العرب ونعتب عليهم إذا تواصلوا مع إسرائيل أو توددوا لها، فكيف إذا أقدم شخص عربي الأصل ويتمتع بشهرة عالمية على خطوات قد تفسر بأنها تطبيعية مع دولة عدوة يعاني الفلسطينيون من أقسى درجات إرهابها وظلمها، وأمين معلوف حاذق وعميق في تصوراته وأفكاره، وقد يريد أن يدلي بدلوه، كما تريد بلده فرنسا حاليا إيجاد حل للقضية الفلسطينية مما شجعه على ذلك، لكن على أمين معلوف وغيره من المثقفين العرب وغيرهم إدراك شبه استحالة ثني الثقافة الإسرائيلية السائدة، فقد حاول آخرون من المثقفين من أمثال إدوارد سعيد ومشاركته جهود الموسيقي اليهودي البارز بارن بوم بدمج شباب فلسطينيين وإسرائيليين في أوركسترا واحدة تعزف للجميع، علها تزيل أو تخفف مشاعر الكره عنهم، ولكنهما للأسف فشلا.

ابو تورية
البلد: 
الدمام السعودية
12/06/2016 - 11:06

افضل لغة للاختلاف والنقد كتبتها سوسن الأبطح. ياكتاب العرب تعلموا هذة اللغة الراقية من سوسن

زياد
البلد: 
syria
12/06/2016 - 12:59

باع امين معلوف من كتبه في المانيا وحدها اضعاف ماباعه في البلدان العربية , ولذلك هو لم يجري المقابلة من اجل الحصول على فوائد ما في الغرب . انا تعرفت على معلوف من خلال كتاباته في الغرب وبعدها عرفناه في الشرق عن طريق ترجمة كتبه .
امين معلوف عالج مشكلة لم يتجرأ احد علىيها " الهويات القاتلة " التي شبعنا سفكا للدماء وتخريبا للاوطان والانسان في سبيل اوهامها .

خالد عبدالاوي
البلد: 
المملكة المغربية
12/06/2016 - 22:47

في مقال الاستاذة سوسن بحثت وأنا أقرأ المقالة مرتين عن (سقطة) أمين ولم أجدها، سقطة ذكرتني بسهولة بسقطة كامي الفرنسي الشهير. وددت الوقوف عند شيء أساسي اعتقد انه سيثير أمين إن لم يكن قد أثاره بعد، هو تشبيهه لببرنار ليفي الفيلسوف الفرنسي الشهير، هل فعلا يعتبر التشبيه مستساغا؟ صحيح أن ليفي مثقف إيديولوجي ليس من حقنا أن نطالبه بالدفاع عن حق اقامة دولة فلسطين في حدود 1967, فهو يتحدث باسم الجماعة العرقية التي ينتمي اليها ، ولكن أمين ليس كذلك ، اقامة دولتين من ركائز افكاره حول قضية العرب الاولى، ذهب الى (ااسرائيل 24) وهذا من حقه كمثقف يشم الهواء الباريسي يوميا، لماذا نريد ان نجعل غيرنا نسخة طبق الاصل من أنفسنا ؟ حتى لا أطيل ، ليفي مثقف مزيف ، أمين مثقف حقيقي . اتفقنا معه او لم نتفق، هذا لا يضره في شيء، يكفيه بسطه لأفكار متنورة عن الهوية .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة