العمالي الأصيل

العمالي الأصيل

الجمعة - 5 شعبان 1437 هـ - 13 مايو 2016 مـ رقم العدد [13681]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

من مطبات الحياة السياسية الارتقاء المفاجئ لبعض الساسة. كما نجد في عالمنا العربي في المراحل الثورية عندما ارتقى رجال انحدروا من خلفيات وضيعة ووجدوا أنفسهم فجأة في مناصب رفيعة. حدث مثل ذلك في الغرب، مثلا عندما قرر العمال الإنجليز تشكيل حزب يمثلهم. كانوا شلة من الشغالين، عمال مناجم وسكك وموانئ مع نفر من المثقفين اليساريين المتعاطفين معهم كبرنارد شو والعالم الاقتصادي هارولد لاسكي. فازوا في انتخابات 1929 وتسنم بعضهم المناصب الوزارية. راح أصدقاؤهم، مثل برنارد شو والليدي استر، يلقون عليهم الدروس في أصول الأكل والملبس وبروتوكولات الحفلات ونحو ذلك. المهم قال لهم برنارد شو، يجب أن تفهموا أن ما سيقدم لكم من طبق لا تلتهموا كل ما فيه من أكل، تصورا منكم بأنه طعام الوليمة الكامل. تذكروا أن هناك أطباقا أخرى ستليه!
مثل كلمنت اتلي هذه الشخصية العمالية الأصيلة عندما فاز العمال بالحكم بعد الحرب العالمية الثانية. كان رجلا متواضعا ولا يحمل غير مؤهلات متواضعة. سخر منه ونستون تشرشل فقال، نعم أطعم النحلة بمربة فراولة فتصبح ملكة! وقد توجس أصحابه خيفة من سلوكه وخشونته. وكان بصورة خاصة محروما من روح الفكاهة والنكتة، مما يعتبر في الغرب صفة ضرورية في أي زعيم سياسي ناجح. فنصحوه بأن يتنحى ويسلم القيادة لغيره. كتب إليه أحد أنصاره، هارولد لسكي، بذلك حرصا على مستقبل الحزب السياسي. ولكنه لم يفعل واستمر بقيادة الحزب. وفاز في الانتخابات. راح القوم يتندرون على سلوكه في منصب رئاسة الحكومة. وصفه صديقه اللورد موين بهذه الكلمات:
«عندما يدخل زائر لمكتبه، يضع اتلي القلم من يده ويرفع رأسه بحيث يتجه أنفه نحو السماء ثم يجر نفسا طويلا ككلب التريار عندما يهم بالنباح. ينظر بعد ذلك في وجه الزائر دون أن ينطق بحرف واحد. وإذا أراد أن يشجع الضيف على الانصراف حالا، وهو نادر فضيوفه يتوقون للانصراف منه على أي حال، فإنه يأخذ الغليون من فمه ويضعه بعناية فوق ورقة النشاف ثم يرفع رأسه من مقعده وينظر نحو الساعة ويتنحنح. فلم يفشل قط سلوكه هذا في صرف أي ضيف يزوره!».
كان كلمنت اتلي كبقية عمال تلك الأيام محدودا في إلمامه بالآداب والفنون. حدث أن عزم الأديب والشاعر جون ستراتشي على نشر مجموعة شعرية له. أشاروا عليه بأن الواجب يقتضي عليه كوزير في الحكومة أن يعرض أي كتاب ينشره، حتى ولو كان مجموعة شعرية، أن يعرضه على رئيس الحكومة لموافقته على النشر. فقدم المسودة إلى اتلي راجيا منه الاطلاع على الكتاب والموافقة على نشره. مرت أسابيع دون أن يحصل على أي نتيجة من رئيسه. فاضطر أخيرا إلى مكالمته تلفونيا. وصادف أن جاء اتلي على الخط مباشرة. فذكره بالموضوع وبطلبه للموافقة على نشر الكتاب. فأجابه اتلي: «كلا. هذا الكتاب غير صالح للنشر مطلقا. الأسطر فيه غير متناسقة في طولها!».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة