مستقبل التراث السعودي «2»

مستقبل التراث السعودي «2»

الخميس - 4 شعبان 1437 هـ - 12 مايو 2016 مـ رقم العدد [13680]
زاهي حواس
د.زاهي حواس وزير الدولة لشئون الاثار المصرية السابق، وشغل سابقاً منصب مدير آثار الجيزة

سأل الأمير سلطان بن سلمان - رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار - محدثه في برنامج «روافد - ذاكرة الأمكنة» الذي أذيع على قناة «العربية»: «ماذا ترى أمامك؟»؛ وكانت الإجابة: «خرائب!»؛ كان المشهد أمام أطلال أحد منازل الدرعية القديمة. عقب الأمير سلطان بأن معظم الناس ترى أن هذه خرائب يجب أن تزال وتبنى عمائر أخرى! أما الأثري فيرى أنها يجب أن ترمم لتعود إلى سابق عهدها وتحكي قصتها. نعم للمكان قصة مع الزمن؛ ولكل مبنى حكاية وعظة وعبرة، والفرق عظيم بين أمة عرفت تاريخها وحفظته واستفادت من دروس الماضي؛ وأخرى لم تفعل، بل لم تحاول حتى الحفاظ على إرثها الحضاري والثقافي.
نجحت جهود المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله - في تطوير العمل الأثري بالمملكة ووضع مسألة الحفاظ على التراث السعودي موضع الأولوية وبؤرة الاهتمام؛ وقد بدأت هذه السياسة تؤتي ثمارها، خاصة بعد أن تولى الأمير سلطان بن سلمان ملف التراث الأثري السعودي فوضع رؤية مستقبلية شاملة، وبدأ وفريق عمل مدرب في مختلف تخصصات العمل الأثري ليس فقط من أثريين بل ومهندسين معماريين؛ ومرممين ومهندسي تخطيط عمراني وغيرها من تخصصات العمل الأثري. وتجني السعودية الآن ثمار هذه الرؤية، ويكفي زيارة مواقع تراثية مثل «مدائن صالح» و«الدرعية» و«جدة القديمة» لنرى مفهوم إدارة المواقع الأثرية ومنظومة غنية من المتاحف النوعية منتشرة في كل مكان بالمملكة الهدف منها الحفاظ على الهوية والثقافة العربية في شبه جزيرة العرب؛ وتوصيل هذا التراث للأجيال الجديدة لمواجهة أخطار العولمة وذوبان الهويات؛ وتفكك الحدود الثقافية وتوحش غول التكنولوجيا وعالم الإنترنت المفتوح.
مما لا شك فيه أن السعودية مثلها مثل بلدان كثيرة حول العالم استنزفت آثارها تحت وطأة عوامل كثيرة منها الجهل بأهمية التراث وعبث الرحالة والمستشرقين (أغلبهم وليس جميعهم)؛ وأخيرًا رواج تجارة الآثا والأنتيكات؛ إضافة إلى مجموعة أخرى من العوامل الطبيعية والبشرية منها قسوة المناخ والتوسع العمراني والصناعي. الكثير من القلاع القديمة تهدمت ومحيت أثارها وكثير من القرى والمدن القديمة اختفت وبنيت عليها مدن وقرى حديثة؛ أما عن الآثار المنقولة فمتاحف العالم تضم آلاف القطع التي خرجت من أرض جزيرة العرب وما حولها. استمرار هذا النزيف كان بالطبع يهدد بقاء التراث الأثري السعودي لولا الخطة الواعية التي وضعتها ولا تزال تنفذها الهيئة العامة للسياحة والآثار وبالتعاون مع مختلف الهيئات المعنية وعلى رأسها البلديات ورؤسائها.. وأذكر أن رئيس إحدى البلديات أمر بإزالة برج إحدى القلاع التي يزيد عمرها على 400 عام من أجل توسعة طريق! فما كان من الأمير سلطان بن سلمان، سوى أن أمر بتدريب رؤساء البلديات على مبادئ حفظ التراث الأثري وبعثهم إلى الخارج ليتدربوا ويتعلموا من تجارب ناجحة لدول مختلفة منها إيطاليا.
تجربة المملكة العربية السعودية في الحفاظ على تراثها الأثري تجربة ناجحة بكل المقاييس؛ وهناك أيضًا تجارب أخرى لدول عربية حققت نجاحات؛ والسؤال الذي يشغلني دائمًا هو أليس من المفيد أن تلتقي تجارب الدول العربية ومشكلاتها في حفظ التراث في ملتقى سنوي لكي نستفيد من تجاربنا ومشكلاتنا؟ أرجو أن يرعى ويتبنى الأمير سلطان بن سلمان فكرة هذا الملتقى السنوي. من المهم التعريف بالتجربة السعودية ومن المهم تبادل الخطط والأفكار وليكن هذا الملتقى نواة لتكامل في العمل الأثري بين العرب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة