مؤشر مزاج بيروت

مؤشر مزاج بيروت

الخميس - 4 شعبان 1437 هـ - 12 مايو 2016 مـ رقم العدد [13680]
وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ

ربما كانت أبرز نتائج الانتخابات البلدية في لبنان اقتصار نسبة المقترعين لمجلس بيروت البلدي على عشرين في المائة فقط من مجموع الناخبين.
رقم يعد، في حد ذاته، مؤشرا لموقف أبناء العاصمة اللبنانية من الأداء السياسي والإداري والخدماتي لمؤسساتهم الرسمية.
حبذا لو جاب مرشحو لائحتي بيروت الانتخابيتين شوارع عاصمتهم، قبل اليوم الانتخابي بقليل، مستعينين بأفضل وسيلة تطلعهم على أوضاع مدينتهم ومزاج أهاليها معا، أي «تاكسياتها». لو فعلوا لتبيّن لهم أن إداراتهم الرسمية في واد.. والناخب البيروتي في واد آخر.
هذه الفرصة توفرت، صدفة، لي قبل موعد الانتخاب البلدي بأيام معدودة لتثبت اعتقادي أن سائقي سيارات الأجرة في بيروت - سواء كانت التاكسيات العادية أم سيارات «السرفيس» البديل لشبكة المواصلات العامة - شهود مهملون لأوضاع البلد وأحوال أبنائه، رغم أن مهنتهم واحتكاكهم بالركاب حولهم إلى متابعين يوميين لهما.
في أي عاصمة كانت، سائق التاكسي هو المؤشر الأول للرأي العام الشعبي... وإذا كانت بيروت قد استعادت حركتها الطبيعية بعد انحصار قبضة النفايات عن شوارعها، وعادت زيارة لبنان متعة للسائح الأجنبي والعربي، فهذه المتعة لا تخلو من قيمة مضافة بالنسبة للبناني العائد من الخارج، متعة قوامها التعليقات السياسية لسائقي سيارات الأجرة.
سيناريو التحاور مع سائقي «تاكسيات» بيروت عادة ما يبدأ بالسؤال عن رضاهم عن أداء سيارتهم، وغالبا ما ينتهي بالسؤال عن رضاهم عن أداء ما يسمونه، مجازا: «الدولة». والظاهرة اللافتة على هذا الصعيد قناعتهم المشتركة بأن «الدولة غائبة، أو مغيبة، عن لبنان وعن هموم المواطنين اليومية والمعيشية».
«ما في دولة»... ملاحظة تسمعها من الجميع مثل لازمة لأي تعليق أو تحليل سياسي. بالنسبة لهم، المصلحة العامة تختزلها مصالح المسؤولين الخاصة وخلافات السياسيين، مردها تنافسهم على المغانم فحسب. حتى الوعود الرسمية، أكانت على مستوى الحكومة أم البلدية، ليست أكثر من طروحات لكسب الوقت... إلى أن ينسى الموعود، قبل الواعد، مضمونها وفحواها.
لو وجد ثمة إجراء دستوري في لبنان يسمح باستفتاء سائقي سيارات الأجرة حول عدد من الشؤون العامة، لتمكنت الدولة من تحقيق أصعب إنجاز سياسي: تأمين إجماع «شعبي» نادر - وإن سلبيا - على صعيدين متلازمين: اللاثقة في «نزاهة» معظم مكونات السلطة، واللاقناعة باحتمالات تحسن أحوال لبنان.
لا خلاف على أن التعميم في عالم السياسة مجحف بحق الكثيرين. لكن ما يبرر هذا التعميم في لبنان تحول ظاهرة الفساد فيه إلى ظاهرة مؤسساتية لا فردية.
الدولة، بنظر سائقي سيارات الأجرة في بيروت، لا تجلس في دوائر السراي، بل في قفص اتهام كبير ولا تجد من يحاسبها.
هذه المواقف الشعبية تبدو قاسية في أحكامها على بلد يمر بحالة تشرذم سياسي وتشتت طائفي لم يعهده اللبنانيون حتى في أحلك أيام حربهم الأهلية.
لكن الأخطر من ذلك أن تفرز مشاعرهم السلبية حيال «الدولة» ما يشبه حالة ازدراء من القيم الأخلاقية عامة. وقد يكون أفضل تعبير عن هذه الحالة ما سمعته من سائق فتح راديو سيارته على أغنية أميركية معروفة ينشدها مطرب لبناني باللغة العربية. سألته عما إذا كان يعتقد أن المطرب استحصل على ترخيص من الملحن الأميركي أو وكيله لينشد أغنيته بالعربية فأجابني: «أستاذ، سرقوا الأخضر واليابس في هذا البلد وتستكثر على مطرب لبناني سرقة لحن أميركي؟».
بيروت الشارع أبعد ما تكون، اليوم، عن بيروت الدولة، ونسبة المقترعين المتدنية في انتخابات بيروت البلدية خير دليل على ذلك.
رغم كل ذلك، لا عذر لسائقي بيروت بتجاهل «نعمة» اعتادوا عليها إلى حد وصفها بـ«تحصيل حاصل»، أي «نعمة» التعبير الحر عن رأيهم، كائنا ما كان، وحرص نظامهم - ولا أقول دولتهم - على صيانة هذه الحرية في أصعب الظروف وأقساها نعمة تميّز بيروت قطعا عن باقي عواصم الشرق الأوسط وسائقي «تاكسياتها» عن سائقي دول العالم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة