«سينيه» العربي

«سينيه» العربي

الأحد - 30 رجب 1437 هـ - 08 مايو 2016 مـ رقم العدد [13676]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

لم يكن «سينيه»، الفنان الفرنسي الذي غادر الدنيا عن 87 عامًا، رسامًا عاديًا للكاريكاتير. كان «ريشة مدفعية»، مثل قذائف أو طلقات المدفعية التي تصيب وتوجع. وقد مات الخميس الماضي رغم أنه كان يتعجب، حين التقيت به قبل ثلاثين سنة، لأنه ما زال على قيد الحياة ولم تستقر رصاصة في رأسه. وهو اشترى قبره، منذ سنوات، وحفر عليه أنه «سيطقّ» بدل أن يموت. فالأحداث كلها تدعو إلى الانفجار. ومهنته تدعوه لأن يستمع إلى الأخبار وتصريحات السياسيين ثم يتناول ريشته ليسخر منهم ويكشف نفاقهم ويتجرأ عليهم. جرأة دفع ثمنها، بشكل خاص، في سنواته الأخيرة. طردوه من «شارلي إبدو»، المجلة التي ساهم في تأسيسها، بتهمة اللاسامية والمسّ باليهود. تهمة هي في حد ذاتها نكتة سوداء.
يستخدم «سينيه» عبارة «نحن العرب» في حديثنا. هو واحد منّا. ولد في «باربيس»، حي المهاجرين والعمال المغاربة، وتشارك مع أبنائهم في الفقر والبؤس. ويكرّر: «لم أكن فرنسيًا بينهم، بل فردًا منهم». عاش حياته مصطفًا بجانب الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي. وبجانب الفلسطينيين ضد الاحتلال والسياسة الصهيونية، لا ضد اليهود. وكان من الجرأة أنه رسم علم إسرائيل وفي وسطه نجمة سداسية من عظام الضحايا، تتوسطها جمجمة تحجب عينها رقعة سوداء، مثل موشي دايان. وهو لو كان فلسطينيًا لحمل البندقية، حتمًا. لكنه استعاض عنها بالريشة. «ريشتي هي سلاحي الذي لا يسمح لي القانون بأن أحمل غيره». وقد استخدم سلاحه السلمي لخدمة المقاتلين.
في سن الحادية والعشرين، حين أنهى الخدمة العسكرية، دخل مدرسة لتعليم الطباعة والحفر والتصميم. كان حرًّا ولم يتصور نفسه محبوسًا في مكتب تقليدي يمارس عملاً إداريا. وبفضل خبرته في الطباعة ساعد المجاهدين أثناء حرب الجزائر. بل إنه ترك باريس والتحق بهم. يتولى تزوير الهويات وجوازات السفر لكي يهربوا من المطاردة. وكان أيضًا يكتب ويرسم مدافعًا عنهم وينشر رسومه في مجلة «الإكسبرس» التي كان لها صيتها، يومذاك. وهو حين يقارن موقفه من تلك الحرب بمفكر مثل سارتر، مثلاً، يرى أن هذا الأخير تسلح بموقف فكري من خارج ساحة النضال. أما «سينيه» فكان جزءًا من الثورة الجزائرية. كما كان يقلقه تعامل المثقفين الفرنسيين مع القضية الفلسطينية. كانوا يعتبرونها، في أحسن الأحوال، مسألة إنسانية تخص شعبًا مُشردًا، ولم يصلوا إلى حد إدانة الصهيونية. و«حين يرفض المرء أن يفهم فلا بد من أن نصفعه». وهكذا احترف توجيه الصفعات المرسومة. أو الرسوم الصافعة. مع قناعته بأن «عملية فدائية» أجدى من ألف كاريكاتير.
خلال أكثر من نصف قرن، تنّقل «سينيه» بين الصحف. ولم يكن له سوى شرط وحيد: ألا تمر رسومه على رئيس تحرير بل تذهب إلى المطبعة مباشرة. لكن لصبر أصحاب الصحف حدودًا. والضغوط الخارجية عليهم غالبًا ما تنتهي بطرد الرسام الذي شاب شعره وهو يشاكس. وكان يبتسم ويقول بسخريته التي رافقته مثل «وحمة»، إن الموت ليس مشكلة لمن تربى في الفضاء الطلق وكان في شبابه مغنيًا في فرقة «أولاد الشوارع». لكن تلك الحرية تركته وحيدًا. تخلى عنه أصدقاء كثيرون وهجرته زوجته لأنها لم تستطع أن تتفهم أسباب انحيازه للعرب. تخيّلوا فرنسيًا يعاند في الدفاع عن «قضيتنا المركزية» في الوقت الذي دفنها كثير من أبنائها في النفتالين.
لم يرسم الكاريكاتير لكي يُضحك القراء. كان ضحكهم أكثر ما يخشاه. ليس هدفه أن يدغدغهم بل أن يقلق سَكينتهم. يريد أن يرى السُخط على وجوههم. لهذا كانت الشتيمة تسعده أكثر من الإطراء. ولعله صاحب أكبر مجموعة من رسائل الشتائم والتهديد. عاش ثمانين حولاً وهو يجتهد لكي يزعزع البلادة. ومات وأخذ معه في قبره تسجيلات غنائية من موسيقى الجاز والبلوز. سيغمض «سينيه» عينيه على صوت بيلي هوليداي ويترك ريشته أمانة لديها، في حياة أخرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة