السعودية 2030

السعودية 2030

الأحد - 1 شعبان 1437 هـ - 08 مايو 2016 مـ رقم العدد [13676]
عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة

وهل بقي ما يقال غير ما سبق أن قيل؟ الجواب بالتأكيد هو نعم، لقد بقي كثير ليقال حول هذه الرؤية التاريخية والجديدة للمملكة العربية السعودية، «رؤية 2030»، التي أطلقها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بموافقة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده هي رؤية الأمل ورؤية المستقبل.
لأول مرةٍ تضع السعودية رؤيةً طموحةً تمتد لخمسة عشر عامًا في المستقبل، إنها رؤية ترسم «خارطة طريق» المستقبل كما أكد صاحبها في لقائه الأول مع تركي الدخيل على قناة «العربية»، إنها حقًا معقد الآمال في تأكيد الهوية الوطنية السعودية وفي رسم مستقبلٍ مشرقٍ وقابلٍ للنجاح يعتمد على أسس هذه الهوية العريضة والواسعة والمتشعبة، رؤيةٌ تحدد الأهداف وترسم الطرق لتحقيقها، وتضع معايير دقيقةٍ لقياس الأداء ومراجعة التنفيذ بشكل مستمرٍ.
ينبثق عن هذه الرؤية عدد من البرامج الكبرى منها على سبيل المثال برنامج «التحول الوطني»، الذي سيعلن عن تفاصيله وتفاصيل البرامج الأخرى مثل برنامج «إعادة هيكلة الحكومة» وبرنامج «إدارة المشروعات» وبرنامج «مراجعة الأنظمة» وغيرها تباعًا وخلال بضعة أشهر ليكتمل العقد ويبدأ التنفيذ.
لا يمكن لمقالةٍ أن تحيط برؤيةٍ بهذه السعة والشمول، في إدراك الماضي والوعي بالحاضر والسعي لصناعة المستقبل، ولكن هذا لا يمنع من الاكتفاء من القلادة بما أحاط بالعنق.
ليس سهلاً بأي حالٍ لدولةٍ اعتادت على الاعتماد شبه الكامل على النفط في بناء اقتصادها أن تتخلّى عنه بسرعةٍ، بمقياس عمر الدول، ولكن ذلك لا يمنع من المحاولة ولا يلغي جمال الأمل وقوة العمل، وأي نجاحٍ يتحقق في هذا الاتجاه فهو منجزٌ بحد ذاته، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوةٍ.
تستحق «الرؤية» متابعة الجميع، وقد بذلت الجهود لإيضاحها ونشرها بكافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ووضع لها موقع على الشبكة العنكبوتية وحسابات في مواقع التواصل، ويمكن اختصارها بثلاثة مرتكزاتٍ وثلاثة محاور، أما المرتكزات الثلاثة فهي: العمق العربي والإسلامي، والقوة الاستثمارية، والموقع الجغرافي. وأما المحاور الثلاثة فهي: مجتمع حيويٌ، واقتصاد مزدهرٌ، ووطنٌ طموح.
ثمة فرصٌ جديدةٌ تخلقها الرؤية، وثمة مجالات رحبةٌ للعمل والإنجاز، وضمان الفاعلية وتحقيق الأهداف، وهي ما عبرت عنه الأهداف والالتزامات التي تضمنتها الرؤية، ولكن ثمة تحدياتٍ يجب الانتباه لها والتعامل معها.
في دولةٍ تعيد بناء نفسها من جديد، وتعزز قوتها وتسد أي خلل ممكنٍ في الحاضر أو المستقبل، وفي مجتمعٍ يتطلع للتغيير والتقدم والنهوض، يكون التحدي كبيرًا لدى صانع القرار، في المواءمة بين سرعة الانتقال التي تفرضها التحديات وضرورة العناية بانتقال المجتمع البطيء الحركة عادةً.
كانت لحظات انتقال المجتمعات والدول في مسار التقدم الحضاري لحظاتٍ صعبةً، وربما مريرةً في بعض الحالات، ولكنها كانت ضروريةً على الدوام. لقد خاضت أوروبا ثلاثة قرونٍ في سبيل التقدم الحضاري الذي بوأها مكانتها العالمية اليوم، ومرّت اليابان بتحدياتٍ ومقاومةٍ للتغيير، وكذلك جرى الأمر في نموذج سنغافورة أو حتى ماليزيا وغيرهما، لقد كان على الجميع أن يؤمن بالمشروع ويدعمه ويرى فيه مستقبلاً أفضل، وبقيت في كل التجارب جيوب معارضة للمعارضة فحسب، وامتناعٍ للامتناع فقط، ولكن كان عليها جميعًا أن تنتحي جانبًا قصيًا بعيدًا عن عجلة التقدم الضخمة والضرورية، وهكذا نهضت الأمم والشعوب والدول بالاستفادة مما ينفع من الماضي، وإبعاد أي معيقٍ لا يخدم المستقبل أو يعترض طريقه.
العادات والتقاليد المعيقة للنهوض تشكل عائقًا يجب تجاوزه، فقيم العمل يجب أن تلغي قيم الطفرات النفطية، وقيم الإنجاز يجب أن تكون في المقدمة، والتراث البشري الموروث يشكل عائقًا أكبر، خصوصًا حين يتم ربطه بالأديان لأغراض سياسيةٍ أو آيديولوجيةٍ. وتجاوز تلك المعوقات سهلٌ ميسورٌ، حين يتم التعامل معها بنفس طريقة الرؤية، فيتم الاعتماد على الرؤى الشاملة والمتكاملة.
في ظل تياراتٍ رافضةٍ للتغيير، ومنظوماتٍ مجتمعيةٍ أو اقتصاديةٍ مستفيدةٍ من بقاء الأوضاع على ما هي عليه، ستوضع كثير من عصي الإعاقة في دواليب التنمية والتطوير، وسيكمن الخطر في السنوات الخمس الأولى من الرؤية، حيث سيكون في التطبيق شيء من القسوة غير المرغوبة، ولكن الضرورية في نفس الوقت، وغالب الناس ربما لا يتحمل الصبر لسنواتٍ، لأنه لا يتصور الفرج في الخمس التي تليها ولا الراحة في الخمس الثالثة.
من دون الحزم المطلوب، سيكون من السهل على البعض استغلال أي تذمرٍ وتحويله لإحباط، ومن ثم تحويل الإحباط إلى سخطٍ، وسيتم تصعيد الضغوط بأشكالٍ شتى وطرقٍ متنوعةٍ وخلق حالةٍ أو حالاتٍ من عدم الاستقرار، وهذا أمرٌ بالغ الأهمية وجدير أن يحظى بكل العناية.
للقارئ فقط أن يتخيل حجم المنجز خلال عامٍ واحدٍ فقط، قيادة تحالفٍ عربي لدعم الشرعية في اليمن، وتحالفٍ إسلامي لمواجهة الإرهاب، ودعمٌ للشعب السوري، ودعمٌ للشعب العراقي، ومحاصرةٌ كبرى لإيران في أفريقيا وآسيا وفي العالم أجمع، ومحاولاتٌ جادةٌ للتعاون مع الهند وجنوب أفريقيا بهدف محيطٍ هندي موالٍ بحريًا، وبناء لجسر الملك سلمان يربط آسيا بأفريقيا بريًا، وتواصلٌ مثمرٌ مع دول جنوب شرقي آسيا، ومع دول آسيا الوسطى، يتصاعد ويعلو وستظهر تأثيراته مستقبلاً.
إنها رؤية تعي بوضوحٍ حجم قوة الدولة السعودية ومكانتها، وهي تنطلق من الداخل للخارج، من بسط هيبة الدولة واستقلالها واستقرارها وتقدمها، وتتسع خليجيًا للدول الحليفة في مجلس التعاون الخليجي، وتنتقل عربيًا للجامعة العربية، ومن ثم إسلاميًا، ومن بعد دوليًا، ضمن بعض المنظومات الثابتة والمستقرة وضمن خلق منظوماتٍ جديدةٍ وفاعلةٍ.
لقد بات شبه مألوفٍ أن تقدم الدول رؤى مستقبلية، ولكنها حين تكون دولةً بحجم السعودية، فإن لذلك آثارًا وتبعات تغير من صناعة مستقبل العالم بأسره وليس المنطقة فحسب، وغالبًا ما تواجه الرؤى المستقبلية تحدياتٍ واعتراضاتٍ، والرهان يكون على الحزم الذي يقود القرار، والوعي الذي يقود الاستراتيجيات ويتحكم في التفاصيل في نفس الوقت، وليس أنجح من الوعي الذي يحقق الرؤية إلا الوعي الذي يقضي على اعتراضاتها ويحسن التعامل مع تحدياتها.
أخيرًا، فإن المرونة مطلوبةٌ في مواجهة التحديات التي ستطرأ تباعًا، وطرق قياس الأداء ومعايير التنفيذ يجب أن تكون صارمةً ومستمرةً حتى آخر لحظة.


[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو