من يهزل لسانه حين يهزل جسمه

من يهزل لسانه حين يهزل جسمه

الثلاثاء - 10 ذو الحجة 1434 هـ - 15 أكتوبر 2013 مـ رقم العدد [12740]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

كان شيخنا عبد العزيز البشري بارانويك في صحته. وهو في ذلك مثال واحد من أمثلة عديدة للظرفاء الذين يتطيرون ويتشاءمون، وخاصة في أي شيء يتعلق بصحتهم. ولا أذيع سرا إذا قلت إن هذا ما يشعر به معظم الظرفاء والشعراء والكتّاب الساخرين. وما علينا غير أن نتذكر ابن الرومي من تراثنا العربي. الظرف والفكاهة بالنسبة لهم ملاذهم من مشاكلهم النفسية.


شكا يوما لأحد زواره من وجع فظيع من الزائدة الدودية، المصران الأعور. وأشار إلى الجانب الأيسر من بطنه. فقال له صديقه إن مكان المصران الأعور في الناحية اليمنى من البطن وليس على اليسار. فأجابه قائلا: «يعني ممكن أكون أنا أعور شمال!»


ولا بد أن أنسته النكتة وجع بطنه. ومن تطيره أنه كان رحمه الله يتردد على مقهى فيه نادل اسمه غراب. وكان الشيخ يتطير منه ومن اسمه كثيرا. فقال عنه: إذا أرسلت يوما هذا الرجل ليدفع لي أجرة إسالة الماء فإنه يرجع ويقول إن شركة الماء قد غرقت. وإذا أرسلته ليدفع فاتورة النور يعود فيقول إن الشركة قد احترقت. وإذا أمرته بأن يحضر لي سيارة تاكسي ينظر في وجهي ويقول إن سائقي السيارات في إضراب عن العمل. لم يملك الشيخ أخيرا غير أن يعفي هذا النادل من عمله ويدفع له أجره من عنده تفاديا لشؤمه ونحسه.


ولكن لهذا النادل غراب رواية أخرى رواها لأصحابه. قال إن الشيخ إذا أمره بأن يأتيه بسيارة تاكسي، كان يريد منه تاكسي فيه عداد. وإذا جاءه بتاكسي بعداد قال إنه يريد عدادا يسجل أقل من غيره. ثم يشترط أن السائق لا يشغل العداد إلا بعد أن يكون الشيخ قد أخذ مكانه وجلس وانطلقت به السيارة. فضلا عن كل ذلك، كان يريد سيارة تاكسي في الاتجاه الذي يقصده فلا يضطر السائق إلى الاستدارة والعداد يحسب! قال غراب. وهكذا كنت أعجز عن تنفيذ مرامه وأعود إليه خائبا فيتهمني بالنحس!


البخل من صفات الظرفاء أيضا. وكما قلت كان البشري قاضيا. التقى بالفريق إبراهيم فتحي وزير الدفاع. فأحب أن يلاطفه: صحيح يوجد في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قول: «قاض في الجنة وقاضيان في النار»؟ فأجابه الشيخ الأزهري: «آه! أمال! بس يوجد في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى: (فريق في الجنة. وفريق في السعير).


الاستشهاد بالنصوص الدينية المقدسة أسلوب آخر للظرفاء. ومن الواضح أن رجلا من خريجي الأزهر يجد ذلك على أطراف أصابعه ليستشهد بها في كل ملاسنة. وأخيرا لحق به المرض فزاره أحد أصدقائه وسأله: من كان أشعر الشعراء؟ فأجابه قائلا: عبد الحميد الديب. ولماذا؟ أليس هو القائل:


تعلمت فيها صبر أيوب في الضنى


وذقت هزال الجوع أكثر من غاندي


جوارك يا ربي لمثلي رحمة


فخذني إلى النيران أو جنة الخلد


قال ذلك واستجاب له الباري فأخذه بعد أسبوع واحد وانقطع بوفاته أبلغ ظريف في أدبنا الحديث. رحمة الله عليه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة