واشنطن لا تملك التخلي عن دورها القيادي العالمي

واشنطن لا تملك التخلي عن دورها القيادي العالمي

الأحد - 23 رجب 1437 هـ - 01 مايو 2016 مـ رقم العدد [13669]

تواجه الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والأمنية التي انتهجتها الولايات المتحدة لأكثر من سبعة عقود، من جانب إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، تشكيكًا في جدواها من قبل قطاعات عريضة من الرأي العام الأميركي، وتتعرض للهجوم من قبل مرشحين سياسيين بارزين من كلا الحزبين. ويبدو أنه لم يعد الكثير من الأميركيين يقدرون قيمة النظام الدولي الليبرالي الذي صاغته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية وظل قائمًا على مدار الحرب الباردة وما وراءها. أو ربما أصبحوا يتعاملون معه كأمر مضمون البقاء وفقدوا القدرة على إدراك ماهية الدور المحوري الذي تلعبه بلادهم في دعم البيئة الدولية التي يستفيدون من وراءها كثيرًا. وتتمثل بعض من هذه الفوائد في الرخاء غير المسبوق الذي أتاحته الأسواق الحرة المفتوحة والتجارة الدولية المزدهرة وانتشار الديمقراطية وتجنب القوى العظمى التورط في حروب، وهي جميعها أمور تعد إنجازات كبرى اعتمد تحقيقها على تعاون أميركي مستديم بشتى أرجاء العالم. ومع ذلك، يروج سياسيون من كلا الحزبين أمام الرأي العام لفكرة أميركا محررة من أعباء القيادة.
أما ما يغفل هؤلاء السياسيون قوله، ربما لأنهم هم أنفسهم لا يدركونه، فهو أن ثمن إنهاء هذا التعاون وهذه المشاركة سيفوق بكثير تكاليفه. الملاحظ أن النظام الدولي الذي أسسته واشنطن يواجه اليوم تحديات أكثر من أي وقت مضى منذ ذروة الحرب الباردة. مثلاً، يهدد صعود قوى استبدادية في آسيا وأوروبا بتقويض الهياكل الأمنية التي أسهمت في الحفاظ على السلام منذ الحرب العالمية الثانية. وقد غزت روسيا أوكرانيا وسيطرت على بعض من أراضيها. وفي شرق آسيا، تسعى الصين التي تبدي ميولاً عدائية على نحو متزايد للسيطرة على طرق النقل البحري، التي تتدفق من خلالها حصة كبيرة من التجارة العالمية. داخل الشرق الأوسط، تسعى إيران إلى فرض هيمنتها عبر دعم «حزب الله» و«حماس» والنظام الاستبدادي الدموي في سوريا. من ناحية أخرى، يسيطر تنظيم داعش على أراض تفوق في مساحتها ما سيطر عليه أي تنظيم إرهابي آخر على مر التاريخ، ويفرض عليها بوحشية رؤيته المتطرفة للإسلام، مع توجيهه ضربات ضد أهداف بمختلف أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا.
والمؤكد أنه لن تتلاشى أي من هذه التهديدات بسهولة. كما لن تنجو الولايات المتحدة من تداعيات انهيار النظام العالمي، على خلاف ما حدث من قبل مرتين خلال القرن الـ20. في القرن الـ21 لم يعد بمقدور المحيطات توفير الأمان، ولا الأسوار المشيدة على امتداد الحدود ولا فصل الولايات المتحدة عن الاقتصاد العالمي عبر نبذ الاتفاقات التجارية وبناء عوائق أمام التجارة.
وعليه، فإنه بدلاً من محاولة مهادنة الدهماء على نحو يفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، علينا استعادة الإجماع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول السياسة الخارجية، بحيث تجمع الأصوات حول أهمية تجديد الدور القيادي الأميركي عالميا. وعلى الرغم من كل ما يثار من تكهنات حول «عالم ما بعد الهيمنة الأميركية»، ما تزال واشنطن تملك قدرات لا يستهان بها.
وقد ثبت زيف أسطورة «نهوض بقية دول العالم»، التي تم الترويج لها على نطاق واسع، والتي تطرح فكرة أن اقتصاديات دول البرازيل وروسيا والهند والصين تفوقت على الولايات المتحدة. لا يزال الدولار يمثل عملة الاحتياط في العالم، ويتطلع الناس في جميع أنحاء العالم إلى الاستثمار في الولايات المتحدة وإنشاء المشروعات التي تهدف إلى دعم اقتصادهم المترنح. وتبقى القيم السياسية التي تتبناها الولايات المتحدة عوامل تغيير كامنة. حتى في وقت عاد فيه الاستبداد، وعلت أصوت المطالب الشعبية التي تنادي بمزيد من الحريات في روسيا والصين وإيران وغيرها من البلدان، يتطلع كل هؤلاء البشر إلى الولايات المتحدة من أجل طلب الدعم المادي والمعنوي. ويبقى موقفنا الاستراتيجي قوي، فللولايات المتحدة أكثر من 50 حليفًا وشريكًا في جميع أنحاء العالم، في حين لا يقف بجوار روسيا والصين سوى القليل من الحلفاء.
إن المهمة القادمة هي استغلال نقاط القوة هذه وتوفير ذلك النوع من القيادة الذي يسعى إليه الكثيرون في أنحاء العالم، الذي يمكن للشعب الأميركي أن يدعمه. ليس هناك عصا سحرية لمقترحاتنا، والاستراتيجيات التي تهدف إلى الحفاظ على النظام الدولي الحالي هي إلى حد بعيد الاستراتيجيات نفسها التي خلقت هذا النظام، لكنها بحاجة إلى أن يتم ضبطها وتحديثها لترقى إلى مستوى التحديات الجديدة واستغلال الفرص الجديدة.
على سبيل المثال، من المهام الرئيسية اليوم تعزيز الاقتصاد الدولي، الذي يستقي منه الشعب الأميركي الكثير من المكاسب. ويعني هذا تمرير اتفاقات تجارية تعزز العلاقات بين الولايات المتحدة والاقتصاديات الواسعة في شرق آسيا وأوروبا. وعلى نقيض ما يدعيه الديماغوغيون في كلا الجانبين، فإن الأميركيين البسطاء مؤهلون لأن يستفيدوا بشكل كبير من الشراكة عبر الأطلسي التي تم التفاوض عليها مؤخرا. وبحسب معهد بيترسون للشؤون الاقتصادية الدولية، فإن الاتفاق سيزيد الدخل السنوي الحقيقي في الولايات المتحدة بواقع 131 مليار دولار. كما تحتاج الولايات المتحدة إلى العمل من أجل إصلاح المؤسسات الدولية القائمة، مثل صندوق النقد الدولي، لكي تشعر القوى الاقتصادية الصاعدة كالصين بأن لها نصيبًا أكبر منها.
وتوفر الثورة في مجال الطاقة، التي جعلت الولايات المتحدة واحدة الدول الرائدة في إمدادات الطاقة، ميزة أخرى قوية. فمن خلال المزيج السليم من السياسات، يمكن للولايات المتحدة أن تساعد الحلفاء في أوروبا وآسيا على تنويع مصادرها من إمدادات الطاقة، ومن ثم الحد من هشاشتها للاستغلال الروسي. سيضعف هذا الدول التي تعتمد بشدة على صادرات المنتجات الهيدروكربونية، مثل روسيا وإيران. وستكون النتيجة الإجمالية هي زيادة نسبية في قوتنا وقدرتنا على الحفاظ على النظام.
لقد أدرك العالم أن التعليم، والإبداع والابتكار عناصر أساسية للازدهار، ومعظم العالم يرى الولايات المتحدة قائدة في هذه المجالات.
أيضًا يسعى رجال الأعمال في أنحاء العالم إلى بناء نسختهم من وادي السيليكون وغيرها من مراكز ريادة الأعمال على الطريقة الأميركية. يمكن للولايات المتحدة أن تقوم بعمل أفضل من خلال العمل مع القطاع الخاص في التعاون الدول النامية. كما يحتاج الأميركيون إلى أن يكون أكثر، لا أقل، ترحيبًا بالمهاجرين. إن الطلاب الذين يدرسون في جامعاتنا عالمية الطراز، ورواد الأعمال الذين يبتكرون في مراكزنا للتكنولوجيا المتطورة والمهاجرين الباحثين عن فرص جديدة لعائلاتهم يعززون قوة الولايات المتحدة، ويظهرون للعالم الفرص التي تتيحها الديمقراطية.
وأخيرًا، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تقوم بالمزيد من الجهد لطمأنة حلفائها بأنها ستكون موجودة لدعمهم في حال تعرضوا إلى العدوان. إن الخصوم المحتملين يحتاجون إلى أن يعرفوا أنه سيكون أفضل لهم أن يندمجوا في النظام الدولي الحالي، من أن يحاولوا تقويضه. لكن تحقيق هذا يستلزم إنهاء الاقتطاعات من الموازنة وزيادة الإنفاق على الدفاع وعلى أدوات الشؤون الدولية الأخرى كافة. إن هذا الاستثمار سيعود بأرباح أكبر بكثير من تكلفته، من خلال الأمن العالمي الذي سيوفره.
إن كل هذه الجهود تعد متداخلة، وواقع الأمر أنه من بين المهمات الأساسية بالنسبة إلى القادة السياسيين المسؤولين أن يظهروا مدى التناغم بين هذه الجهود: كيف تعزز التجارة الأمن، وكيف تؤمن القوة العسكرية الازدهار وكيف أن توفير الوصول إلى التعليم الأميركي يعزز القوى التي تكرس نفسها لعالم أكثر انفتاحا وحرية.
وفوق كل شيء، فإن الأميركيين بحاجة إلى تذكيرهم بما هو عرضة إلى الخطر. إن هناك ملايين حول العالم ممن استفادوا من النظام الدولي الذي رفع معايير المعيشة، وفتح النظام السياسي وحافظ على السلم العام. لكن لم تستفد أمة ولم يستفد شعب من هذا النظام كما استفاد الأميركيون. وليس في العالم من يتحمل دورًا أكبر في الحفاظ على هذا النظام من أجل الأجيال القادمة، من الولايات المتحدة.


*خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة