قصتان يهوديتان.. والمعنى واحد!

قصتان يهوديتان.. والمعنى واحد!

الخميس - 20 رجب 1437 هـ - 28 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13666]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

يعود بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ليجرب مع إيطاليا هذه الأيام، ما كان قد راح يجربه منذ عدة أشهر مع البرازيل، ففشل.. ولكنه يعود ويحاول.. وإن كانت عودته مختلفة طبعًا!
فمن قبل، كان قد أرسل استيطانيًا عنيدًا اسمه داني دايان، سفيرًا لإسرائيل إلى البرازيل، ولكن جماعات المجتمع المدني فيها، ما إن علمت بالخبر، حتى أثارت اعتراضًا قويًا وفوريًا، على وجود سفير لإسرائيل في بلادها، بهذا الاسم، وبالتاريخ المعروف عنه، في تأييد الاستيطان، وفي الاستيلاء على أرض فلسطين، ولم تجد الخارجية البرازيلية مفرًا في النهاية، من أن تطلب من الحكومة الإسرائيلية ترشيح اسم آخر!
هذه الأيام.. القصة أعجب.. لأن نتنياهو نفسه، رشح امرأة اسمها فايما نيرنشتاين، سفيرة لبلاده في روما!
أما وجه العجب، فهو أن نيرنشتاين إيطالية في الأساس، حسب ما هو منشور في «الشرق الأوسط» صباح الاثنين قبل الماضي، وكانت عضوًا في البرلمان الإيطالي، ونائبة لرئيس اللجنة الخارجية فيه، من عام 2008 لعام 2013، وترشحت لرئاسة اتحاد المنظمات اليهودية في إيطاليا، وفشلت، فهاجرت إلى تل أبيب، وعاشت هناك، وحصلت على الجنسية الإسرائيلية، ولكنها لا تزال تحتفظ بجنسيتها الإيطالية، ولا تزال تتردد على العاصمة الإيطالية، وتقضي أغلب وقتها فيها!
التفاصيل تقول، إن ماتيو رينتسي، رئيس وزراء إيطاليا، توجه قبل شهر ونصف الشهر، بطلب رسمي إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، يدعوه فيه، إلى إعادة النظر في ترشيح نيرنشتاين، ولكن نتنياهو لم يهتم!
اعتراض إيطاليا يعود إلى أن المرأة المرشحة مواطنة إيطالية في الأصل، وتتقاضي راتبًا من حكومة بلادها حتى اليوم، لكونها نائبة برلمانية سابقة، ولم يعرف العالم من قبل أن مواطنًا قد جرى تعيينه سفيرًا لبلد أجنبي في بلده الأصلي!
ولم يتوقف الاعتراض على ترشيحها، عند حدود الحكومة الإيطالية، أو الخارجية، أو الجهات الرسمية المختصة في روما، ولكنه تجاوزها إلى المنظمات اليهودية ذاتها في إيطاليا، لأنها رأت أن تمرير هذا الترشيح، سوف يعني بشكل أو بآخر في النهاية، أن كل عضو في هذه المنظمات مزدوج الولاء!
لم أستطع من جانبي أن أفصل بين القصة كلها وبين عملية «المعبر المعقد» التي استطاعت إسرائيل من خلالها، في 21 مارس (آذار) الماضي، نقل 19 يهوديًا يمنيًا من صنعاء، إلى مطار علياء الأردني، ومنه إلى إسرائيل!
ولم يعرف أحد بعملية النقل، إلا بعد إتمامها، وإلا بعد أن ظهر عدد من الـ 19 يهوديًا يمنيًا في صورة مع نتنياهو وهو يرحب بهم، ثم يقول هذه العبارة ذات المعنى: أهلاً وسهلاً بكم في أرض إسرائيل، ويسرني أن أراكم هنا، ومعرفتكم قراءة التوراة مؤثرة كثيرًا.. لقد فكرنا خلال سنوات طويلة كيف يمكن جلبكم إلى إسرائيل، وبعون الله نجحنا في ذلك!
أحد اليهود اليمنيين الذين ظهروا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في الصورة، تبين أنه كان مقاتلاً في صفوف الحوثيين في اليمن، وقد ظهرت له صورة وهو يحمل مدفعًا عليه هذه العبارة: الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود!
وهذا اليهودي نفسه، قد حمل إلى نتنياهو من اليمن مخطوطة توراتية قديمة على جلد الحيوان تعود إلى 600 عام مضت!
وكانت الوكالة اليهودية هي التي أطلقت على عملية نقل الـ 19 يهوديًا اسم «المعبر المعقد»، لأنها كانت عملية معقدة فعلاً، ولأن جهات رسمية إسرائيلية وأميركية، ثم جهات سرية، قد شاركت فيها إلى أن اكتملت بصفقة مع الجماعة الحوثية في اليمن!
ما يقلق في القصتين معًا، الإيطالية واليمنية، ليس أن يهوديًا قد انتقل من اليمن إلى إسرائيل، سرًا، أو علنًا، فهو لن ينتقل إلا إذا كان راغبًا في الأصل في ذلك وإلا برغبته.. ولا أن يهودية إيطالية سوف تمثل إسرائيل في بلدها الأصلي، فالأعراف الدبلوماسية كفيلة بالتعامل مع مثل هذا الفعل غير الدبلوماسي!
ما يقلق حقًا، هو الرغبة المحمومة من جانب حكومة إسرائيل، في تحويل كل إنسان يهودي، إلى مواطن إسرائيلي، ومن بعد ذلك، إلى إنسان صهيوني.. أي إنسان يقبل باحتلال واغتصاب أرض الآخرين، وبالتحديد أرض فلسطين!
ما يقلق فعلاً، هو مدى الجرأة في القصتين على توظيف الدين لخدمة السياسة، بالمعنى السلبي جدًا للتوظيف السياسي الذي لا يدع قيمة دينية باقية، إلا ويدوس فوقها، ليفرغها من مضمونها، ويشوه محتواها!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة