الاتهامات ضد السعودية انتهاك للقانون الدولي

الاتهامات ضد السعودية انتهاك للقانون الدولي

الأربعاء - 19 رجب 1437 هـ - 27 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13665]

ثار جدال كبير حول ما إذا كان مشروع قانون ينظر فيه الكونغرس حاليًا، ويرمي لإقامة دعاوى قضائية ضد السعودية داخل المحاكم الأميركية بسبب صلتها المزعومة بهجمات 11 سبتمبر، سيلحق ضررًا لا داعي له بالعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الدولتين. إلا أنه في حقيقة الأمر يتجاوز ضرر مشروع القانون هذا العلاقات الثنائية مع أحد حلفائنا، ذلك أنه سيشكل انتهاكًا لواحد من المبادئ الجوهرية للقانون الدولي، ويعرض فاعلية المساعدات الخارجية الأميركية للخطر، وكذلك شرعية الإجراءات التي تتخذها في إطار الحرب ضد الإرهاب.
في الواقع، تعد حصانة دولة ما من مواجهة دعاوى قضائية داخل محاكم دولة أخرى، أحد الأعمدة الرئيسية للقانون الدولي، وتعتمد على فكرة أن الدول ذات السيادة المتكافئة لا ينبغي أن تستغل محاكمها في إصدار أحكام ضد بعضها بعضا. وقد وافقت كثير من الدول ضمنيًا على الحد من هذه الحصانة داخل أطر بعينها، مثل الحالات التي تشارك خلالها في نشاطات تجارية معينة. بيد أنه بخلاف هذه الاستثناءات (أو في الحالات التي تحكمها اتفاقات ملزمة أو قرار صادر عن مجلس الأمن)، استمر القانون الدولي في ضمان هذه الحصانة، حتى في مواجهة الجرائم الكبرى المزعومة.
واللافت أن الولايات المتحدة الدولة الأكثر استفادة من هذا الترتيب، ذلك أن لها نشاطات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية بالخارج أكثر من أي دولة أخرى. وحال إلحاق الضعف بقاعدة الحصانة السيادية، فإن هذا سيجعل من الولايات المتحدة، هدفًا لعدد أكبر بكثير من الدعاوى القضائية داخل محاكم أجنبية عن أي دولة أخرى، وستصبح هدفًا أكثر جاذبية وأهمية عن أي دولة أخرى للدعاوى ذات الصبغة السياسية الساعية للطعن في سياستها الخارجية. وعليه، قاومت واشنطن على امتداد فترة طويلة محاولات دول أخرى، الحد من مبدأ الحصانة المنصوص عليه في القانون الدولي.
بالتأكيد، سبق أن أقر الكونغرس استثناءات لقاعدة الحصانة السيادية تجاه الدعاوى المدنية فيما يتعلق بعدد صغير من «الدول الراعية للإرهاب» (أيدت المحكمة العليا، الأربعاء، فرض أحكام قضائية كبرى ضد إيران تبعًا لهذا الاستثناء). ومع ذلك، ظلت هذه الاستثناءات محل جدل كبير، وتكاد تكون متعارضة مع القانون الدولي. ومع ذلك، لم يجذب هذا الجدل اهتمامًا كبيرًا، لأن الاستثناء انطبق على بضع دول جرى تصنيفها كعناصر سيئة من جانب الذراع التنفيذية للدولة، الأمر الذي يأخذ في اعتباره الاعتبارات المتعلقة بالسياسة الخارجية (واللافت أن القائمة لا تضم السعودية). على النقيض، نجد أن مشروع القانون الجديد يخلق استثناءات عامة واسعة يمكن تطبيقها على أي دولة، الأمر الذي يمكن للمدعين الخصوصيين استغلاله بعيدًا عن سيطرة السلطة التنفيذية.
من بين الأسباب المهمة وراء توفير حصانة للحكومات الأجنبية داخل المحاكم الأميركية، حسبما شرحت المحكمة العليا من قبل «المصالح الذاتية المتبادلة»، ويعني ذلك أنه حال تقليص الولايات المتحدة الحصانة التي توفرها لدول أخرى، فإن هذا يعرضها ذاتها للأمر ذاته على الصعيد الخارجي.
ورغم أنه قد يبدو أنه ليس لدى واشنطن ما تخشاه، فيما يتعلق بإقامة دعاوى قضائية ضدها على صلة بأعمال إرهابية على غرار هجمات 11 سبتمبر، فإن الحقيقة تبقى أن توصيف الإرهاب يختلف حسب عين الرائي. ومن السهل تخيل سيناريوهات تتعرض خلالها الولايات المتحدة لمقاضاتها بالخارج جراء مساعدات عسكرية أو أجنبية تقدمها لكثير من الدول الأخرى. وهناك الكثير من صور السلوك التي يمكن اقتفاء أثرها وصولاً إلى مساعدات أميركية مالية ومادية قد تسفر عن تعرض واشنطن لدعاوى قضائية بالخارج بدعوى تقديم العون للإرهاب والتحريض عليه. من بين الأمثلة على ذلك المساعدات الموجهة لإسرائيل، والدعم الأميركي للمسلحين المتهمين بمهاجمة مدنيين داخل سوريا. ومع ذلك، لن تتوقف الدعاوى القضائية هناك، فمثلاً نجد أن الضربات الجوية الأميركية ضد تنظيم القاعدة والجماعات الأخرى المتعاونة معها، وضد «داعش»، من الأمور المثير للجدل قانونيًا بالخارج. وينظر الكثيرون إلى ممارسات الاستهداف الخاصة بالولايات المتحدة (خصوصًا تلك التي تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين) باعتبارها واحدة من صور الإرهاب، أو انتهاكًا لقواعد أخرى لا تقل أهمية عن القانون الدولي الإنساني. والمؤكد أن إثارة دعاوى قضائية ضد الولايات المتحدة من جانب مدعين أجانب في محاكم أجنبية سيلحق بواشنطن أضرارًا سياسية ومالية كبيرة، وقد يستصدر أحكامًا قانونية بخصوص الأعمال العسكرية المناسبة تأتي بتوصيفات مختلفة تمامًا عن المبادئ التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
* كيرتيس برادلي: بروفسور القانون بجامعة ديوك وجاك غولدسميث: بروفسور قانون بجامعة هارفارد
خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة