حرروا الإنترنت!

حرروا الإنترنت!

الاثنين - 18 رجب 1437 هـ - 25 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13663]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
فضيحة الإنترنت في لبنان لا تزال في بداياتها. الضغط السياسي لتمييع ملف الفساد، وتبديل مسؤول هنا، أو الإطاحة برأس هناك، لن يكون كافيًا لإسكات غضب المحرومين، من نعمة الفضاء المفتوح، وهو آخر أمل تبقى، كي لا تغرق السفينة، بعد أن انخفضت نسبة النمو إلى الصفر. فسرعة الشبكة الإلكترونية، سبيل رئيسي إلى خلق فرص للعمل، وفتح باب الاستثمار على مصراعيه. أن تبقى السرعة 3 ميغابايت في الثانية، بينما يصل المعدل العالمي إلى 22، فإنها حقًا لمهزلة! الكارثة الكبرى، أن لبنان ليس متخلفًا في قدراته التقنية، إذ له من الألياف البصرية الواصلة من البحر، ما يسد حاجته ويفيض، لكن ثمة من يغلق الصنابير، ويمنع الخيرات، ويحكم على المواطنين بالاختناق.
الحقن المهدئة، في موضوع الإنترنت، أقل نجاعة منها في مسألة الكهرباء والماء أو حتى الضمان الصحي. احتمل أهالي باب التبانة وجبل محسن في طرابلس ست سنوات من المعارك التي تسببت بوقوع مئات الضحايا، وجنّ جنونهم، حين قطع الإنترنت عن منطقتهم لأربعة أيام. نجح اللبنانيون في العثور على البدائل الذاتية لكل خدمات الدولة، إلا هذه ومعها النفايات. حاول البعض الاستعاضة عن التقصير الرسمي، واستغلاله بما هو غير شرعي، بتركيب أجهزة من دون ترخيص، على قمم الجبال، والتقاط الترددات من تركيا وقبرص، فكانت القاضية. شبكة الإنترنت، أعقد وأخطر من أن يلتف على شرعيتها، الشطار والمحاسيب. تجاهل القانون، والتهاون في اللعب على حبال شبكات التواصل، فتح الباب سريعًا على قضايا تجسس إسرائيلي، وانتهاك محتمل لأسرار أكثر مؤسسات الدولة حساسية. ما اكتشف هو «خرق كبير للسيادة اللبنانية واعتداء على الأمن القومي» بحسب وزير الاتصالات بطرس حرب. وهناك معلومات شبه مؤكدة عن تجسس فرنسي - أميركي أيضًا.
كيف يحق لمجموعة محدودة من الناس، أن تمسك برقاب 80% من المواطنين، يعانون من شح هائل في الخدمة، ويتم تعطيل أشغالهم، عمدًا، دون أن يرف للمسؤولين جفن؟ كيف يسمح لحفنة من الأشخاص، أيًا كانوا، أن يكبلوا شركات كبرى ومستشفيات وجامعات، ومصانع، ويفرملوا الحركة الاقتصادية لبلد بأكمله، فقط لأن ثمة من يحميهم؟
لبنان محاصر شرقًا وشمالاً بسوريا المشتعلة موتًا وجنونًا، ومغلقة حدوده جنوبًا بإسرائيل المغتصبة احتلالاً، ولم يعد من منفذ سوى الفضاء والبحر. حجب إمكانات الألياف البصرية التي كلفت لبنان ثمنًا غاليًا، ويراد للمواطنين أن ينتظروا سنوات أخرى ليستفيدوا منها، هو دفع لمزيد من الشباب إلى الهجرة، وحكم على البلاد بالشيخوخة والعجز.
ديناصورات السياسة اللبنانية، يظنون أن بمقدور الاقتصاد أن يبقى كلاسيكيًا معزولاً، بينما «إنترنت الأشياء» تفرض نفسها على العباد. ابحث عما ستكون عليه الحياة، ما بين طرفة عين وأخرى، وما يتم التحضير له من مشاريع، تدرك أن كعب حذائك، ونظارتك، كما نافذة منزلك وحنفية المياه في بيتك وأزرار قميصك وسيارتك وشنطتك، ستكون كلها ذكية ومرتبطة بالشبكة. هناك ما لا يحصى من الابتكارات التي ستجعل، رغمًا عنك، كل تفصيل في حياتك رقميًا. فكيف بخدمة قصرت عن احتمال تنزيل الصور أو تشغيل الأفلام أن تتمكن من مواكبة ما ستأتي به الأيام؟ ربما لا يعرف أولو الأمر، أن بعض العمليات الجراحية تجرى رقميًا، وأن استشارات طبية، ومقابلات التوظيف للشبان، تتم على الشبكة، وأن تنزيل بعض البرامج ضرورة قصوى للطلاب، كي يتمكنوا من الحصول على شهاداتهم بجدارة. الشلل الحالي في عالم الأعمال، لا يمكن أن يستمر. هذه المرة الغلطة لا تطال الفقراء وحدهم، وإنما الهيئات الاقتصادية الكبرى، والمؤسسات التعليمية التي ما زالت، إلا اثنتان أو ثلاث منها، عاجزة عن استخدام الإنترنت، كما يليق.
باستثناء دول الخليج وموريتانيا، تعيش الدول العربية بؤسًا، في سرعة الإنترنت، لا يبشر بخير مستقبلي. ما يثير الغيظ في لبنان، أنه بالإمكان ضخ أضعاف الكميات الحالية، بجهد لا يحتاج أكثر من أربعة أشهر، بحسب خبراء محنكين، ومع ذلك ثمة من يمنع، قصرًا وقهرًا.
هناك من يرى، أن وزارة الاتصالات هي أصلاً يجب أن تلغى. ثمة مطالبة محقة بتحرير الشبكة من يد الدولة، التي يفترض أن تكون المراقب لا المشغل. أحزاب لا تلتقي ولا تلتئم اعتصم شبانها معًا للمطالبة بكف يد الفساد عن أكسجينهم الجديد. تمامًا، كما لا نعرف لماذا يستطيع شخص في مدينة مثل زحلة، أن يوفر الكهرباء 24 ساعة في اليوم، فيما تبقى شركة كهرباء لبنان، بعِظم حجمها، تحت عجز ملياري دولار. لن تعثر على من يخبرك، بشفافية كافية، لماذا تركت عشرات ملايين الدولارات، تهدر وتختلس في مجال الإنترنت، والشهود كثر، ويلتزمون الصمت؟
لم يعد المواطنون يكترثون، لما يقوله السياسيون، خارج نطاق حاجاتهم الحياتية. هذه ظاهرة جديدة، تحمل أملاً حقيقيًا. وسائل الإعلام تدرك أن على ضيوفها الحديث عن المعيشة أولاً، وليس عن مناكفاتهم التي لم تعد تعني غيرهم. وإن بقيت الحياة السياسية تنهار إلى الحضيض الذي لا يبدو أن مغادرته على أصحابه سهلة، فالمؤشرات تنبئ بأن الناخبين الذاهبين إلى الصناديق البلدية قد لا يتجاوزون 18 في المائة.
لا أحد يريد أن يعترف بجسامة الأضرار الأمنية والاقتصادية الهائلة التي نجمت عن الفساد المستشري في قطاع من المفترض أن يحمى برموش العين، لأننا لا نزال، من هواة ذر الرماد في عيون الألياف البصرية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة