العيش وخبازه!

العيش وخبازه!

الاثنين - 4 رجب 1437 هـ - 11 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13649]
طارق الشناوي
كاتب مصري

«أنا أفكر إذن أنا موجود».. هكذا قال الفيلسوف رينيه ديكارت قبل نحو أربعة قرون من الزمان، إلا أنها مثل كل الأشياء في حياتنا قابلة للتغيير أو على أقل تقدير التعديل، وهكذا صارت في زمن الفضائيات ودون استئذان ديكارت: «أنا مشهور إذن أنا مذيع»، قد يبدو للوهلة الأولى أن المسافة ليست بعيدة بين أن تقف ممثلا أمام الكاميرا أو أن تتقمص دور المذيع، إلا أن الحقيقة هي أن كل مجال له قواعده وشفرته الخاصة، وكل عيش وله خبازه كما يقولون، النجم الشهير مهما حقق من حضور ليس هو الوصفة السحرية المضمونة للعبور إلى قلوب الناس كمذيع، وإليكم مثلا المطربة الإماراتية الكبيرة أحلام التي صارت عنوانا مضيئا للأغنية الخليجية واتسعت شهرتها إلى كل العالم العربي، إلا أنها لم تستطع أن تنقذ برنامجها «الملكة» من الإلغاء بعد أن عرضت منه حلقة واحدة أثارت استياء قطاع وافر من الجماهير فلم تصمد قناة «دبي» المنتجة للبرنامج أمام قوى الضغط عبر قنوات التواصل الاجتماعي، ولم تملك سوى الإيقاف، بالطبع تجربة واحدة لا تعني أن هذا التدفق البرامجي سوف يتوقف، لا يتم في العادة الاندفاع في مجال الإغلاق إلا لو تكررت الحالات، خصوصا أن هناك ملايين من الدولارات ترصد لهذه البرامج ويستحوذ على القسط الوافر منها النجوم.
ويبقى السؤال، من الذي يحدد وجود كل هؤلاء النجوم أمام كاميرات التلفزيون وتحول بعضهم من ضيف في شهر رمضان إلى صاحب بيت تراه في كل شهور العام، بل صار استوديو تسجيل البرامج هو موطنهم الأصلي وبيتهم الطبيعي، وفي وقت الفراغ قد يمارسون التمثيل أو الغناء، إنه سوق العرض والطلب الذي صار هو صاحب الصوت المسموع في «الميديا» الكل ينصت إليه، ومن الممكن أن تجد تفسيرًا منطقيًا لزيادة مساحة برامج اكتشاف المواهب وكأنها تنويعات على «تيمة» مقدم البرامج عضو لجنة التحكيم، فهو التطور الطبيعي لفكرة النجم المذيع، المهم أنه يحقق الملايين للقناة الفضائية من خلال صراع وكالات الإعلان.
نعم عرض التلفزيون المصري على سبيل المثال منذ بداية البث، أتحدث عن مطلع الستينات من القرن الماضي، مثل هذه البرامج وجلس عدد من النجوم على كرسي المذيع، لديك كمال الشناوي الذي قدم برنامجا عن فن الرسم حيث إنه كان دارسا للفنون التشكيلية، وكان حلم الملحن منير مراد أن يسمحوا له بتقديم برنامج يلحن فيه يوميا عل الهواء أهم الأخبار، وعندما أجهضوا حلمه حققه في تلفزيون المكسيك، فلقد كان يجيد الإسبانية. نجوم الصف الأول أو ما دأبنا على وصفهم بالـ«سوبر ستار» هم بالطبع هدف هذه البرامج، ولا تتوقف عوامل الجذب فقط على المقابل المادي، ولكن علينا أن نضع في الحسبان أن النجم إذا أخفق لن يعتبرها نهاية العالم لمستقبله الفني، فهو في النهاية سيكسب ماديا ولن يخسر الكثير لو لم يحقق برنامجه المردود المأمول.
ويبقى السؤال هل يستمر الأمر طويلا على هذا النحو؟ كلما بزغ اسم نجم أقنعوه بتقديم برنامج، أتصور أن الزمن سيلعب دوره كالعادة في الغربلة والاختيار، كما أن المشاهد سيصل إلى مرحلة التشبع من كثرة تكرار النجوم وفي هذه الحالة سيجدون أنفسهم مضطرين لكي يعودوا مجددا إلى موطنهم الأصلي الاستوديو فقط للتمثيل أو الغناء وتسقط مقولة «أنا مشهور إذن أنا مذيع» لتعود مجددًا مقولة «اعطِ العيش لخبازه ولو يأكل نصه»!!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو