المال عندما يُربك الجميع!

المال عندما يُربك الجميع!

الأحد - 3 رجب 1437 هـ - 10 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13648]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

أحيانًا تكون النتيجة واحدة، ولكن الأسباب مختلفة، والمحركات متعددة. وهو أمر طبيعي جدًا، باعتبار أن الفرد كائن مركب تتجاذبه أبعاد عدة ليست هي نفسها من حيث الترتيب وإيقاع التجاذب من فرد إلى آخر. وبالنسبة إلى بعض ردود الفعل المجتمعية، فإنه يمكن أن نقف عند مواقف تتقاطع فيها كثير من المجتمعات ذات فضاءات ثقافية مختلفة، على الرغم من أن لكل مجتمع أسبابًا تختلف عن مجتمع آخر. وهو اختلاف كما يبدو لنا نتاج اختلاف السياقات الثقافية ذاتها.

لنحاول تطبيق هذه القوالب المبدئية العامة على ردود الفعل مما سُمي «فضيحة وثائق بنما»، التي وصفها الكثيرون بأكبر فضيحة مالية في التاريخ.

إن أول نقطة تلفت الانتباه أن هذه الفضيحة أدارت كل أعناق العالم تقريبًا. وتم ذلك في ظرف سياسي دولي متأزم ومعقد إلى أبعد الحدود، ولعل الحرب على الإرهاب ومشكلاته الأخطبوطية الشائكة على رأس الأزمات الدولية.

وهكذا نفهم أن استئثار قضية «وثائق بنما» بكل هذا الاهتمام العالمي الساخن والمحموم جدًا، إنما يعد استئثارًا يتصل إلى جانب تأثير الطابع الفضائحي بما يمكن أن نطلق عليه فتنة المال في هذه القضية. أي أن كون المال هو جوهر هذه القضية، فقد أكسبها بريقًا مضاعفًا يؤكده ملايين المتابعين لهذه القضايا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

غير أن هذا التنبه الهائل والقوي لا يمنح أسبابه بسهولة وبشكل مباشر بل هو يخفي أسبابه ويقدمها لابسة قناعًا: الاحتجاج ضد الفساد والتهرب الضريبي.

وفي الحقيقة رغم جدية هذه القراءة ومصداقيتها من حيث صدقية مضمونها، فإن الرأي العام العالمي يعرف أن الفساد منتشر، وأن له شركات عابرة للقارات تحميه وتستثمر فيه. وليس خافيًا ظاهرة تهريب الأموال وغسلها وإيداعها في أكثر بنوك العالم عالمية وسمعة ظاهرية براقة. ولقد فُتح ملف بعض البنوك الذائعة الصيت دوليًا بعد الثورات العربية، عندما حاولت النخب السياسية الحاكمة سواء في تونس أو في مصر استعادة ما وصفته بالأموال المنهوبة من طرف الذين أطاحت بهم الثورة.

إذن المعلومة قديمة ورائجة عالميًا، ولكن الجديد يتمثل في ظهور الأدلة والأسماء والوثائق، وهو ما أكسب طرح قضية التهرب الجبائي جاذبية خاصة، إذ تم الانتقال من التناول العام والفضفاض لظاهرة تهريب الأموال إلى التناول القائم على تحديد الهويات والوثائق، الأمر الذي أدى إلى الحديث عن فضائح في غالبية الدول حاليًا وتوتر وارتباك، شمل الأشخاص والمؤسسات وضمن حيز زمني يفوق الثلاثين عامًا الأخيرة.

من جهة ثانية، قد نفهم ارتباك الرأي العام في البلدان التي جاء ذكر أشخاص ومؤسسات في الوثائق المسربة تنتمي إليها، ولكن من الصعب تفهم المواقف المستغربة من قيادات دول كبرى، وكأنها خالية الذهن على الأقل من بعض المعطيات الواردة في «وثائق بنما».

بل إن موقفها المسرحي «إحالة إلى تقمص دور» يسمح لنا بطرح بعض الأسئلة الاستنكارية من قبيل: هل الولايات المتحدة وفرنسا مثلاً فعلاً لا صلة لهما، لا من قريب ولا من بعيد، بقضية الوثائق المسربة التي فضحت شخصيات وشركات دولية، مما أدى إلى قيام حملات شعبية وسياسية للضغط على بعض الأسماء المذكورة للاستقالة؟ ماذا يعني اختيار هذا التوقيت بالذات دون سواه لتفجير عملية التسريب الخطيرة؟ وهل المقصود من عملية التسريب هذه كل الذين شملتهم «الفضيحة» أم فقط البعض منهم وقد لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد؟

وبالنظر في هذه التساؤلات، نلاحظ أننا نحتاج لفهم الخلفيات والأسباب الحقيقية، وتحديد الصحيح من المفبرك، إلى استقصاء آخر لا صلة له في الظاهر بالاستقصاء الذي تستوجبه الوثائق المسربة ذاتها.

إننا أمام تنويعات عدة لحالة الإرباك والارتباك، كنتيجة وكهدف استراتيجي مقنع بالنسبة إلى الأطراف الدولية الكبرى الواقفة وراءه. ويبدو لنا أنه في هذه الجزئية بالذات، من المهم الاستفادة من فضيحة «ويكيليكس»، وإعادة قراءتها وفق مسافة الزمن، إذ تكشف لنا أن ما قد يظهر على أنه فضيحة فلتت من كل الأيادي، هو في الحقيقة تحركه قصديًا بعض الأيادي، وغالب الظن: يدٌ واحدة.

لم تقف مستويات الإرباك عند هذا الحد فقط، بل طالت أيضًا محاولات إلى حدود اللحظة تبدو فاشلة، وتتمثل في سعي بعض الأطراف إلى تحويل اهتمام الرأي العام في مجتمعات معنية بهذه القضية إلى مسألة القرصنة في حد ذاتها. وهي في الحقيقة محاولات بحكم ارتباك أصحابها، فإن منسوب الذكاء فيها متواضع جدًا. ذلك أن فعل القرصنة في خصوص «وثائق بنما»، فعل يُذكر فيشكر، ومحمود إلى أبعد الدرجات، بل إن في التركيز على فعل القرصنة باعتباره الجريمة الجديرة بتنبه الرأي العام، دفاع عن الهويات المكشوفة، ومن ثم فإنه من الصعب أن تجد هذه المحاولات صدى لدى الرأي العام؛ ذلك أن الموضوع الأهم هو المعطيات المسربة وما تضمنته من أسماء وجهات.

أما الإرباك الآخر، فيتمثل في الخريطة المالية العالمية، إذ إن هذه الفضيحة تهدف إلى خلق وجهة جديدة لتهريب الأموال.

إننا أمام حسابات اقتصادية وسياسية ونفسية سوسيولوجية القاسم المشترك بينها الإرباك والارتباك.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو