مرأب الغضب

مرأب الغضب

الاثنين - 5 جمادى الآخرة 1437 هـ - 14 مارس 2016 مـ رقم العدد [13621]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
أطلق المحتجون على إقامة موقف للسيارات في طرابلس، تحت الأرض، في ساحة التلّ، وسط المدينة القديمة شعارًا شديد الدلالة وهو: «مرأب الذلّ».
محال أن تفهم العلاقة الممكنة بين «مرأب» للسيارات، مهما بلغ ضرره، وإحساس المواطنين بالمهانة، إذا ما نفذ المشروع، دون أن تستمع إلى الغضب المتدفق من أفواههم، وما فجّره هذا المرأب من غيظ في نفوسهم. وهنا يصح المثل القائل: القصة مش رمانة، وإنما قلوب مليانة. تمامًا، كما تكاد تودي أزمة النفايات المنزلية التي تراوح مكانها منذ ثمانية أشهر، في كل من بيروت وجبل لبنان بالحكومة، بعد أن أضيفت إليها النفايات الطبية الأكثر خطرًا وسمًا، فإن الإصرار على تنفيذ المرأب في طرابلس، والضرب عرض الحائط باحتجاج الأهالي، يشعر الناس بالاستفزاز والكيدية، ويؤدي، ربما، إلى ردود فعل، لم تكن محسوبة.
تغير الناس كثيرًا، هذا على الأقل، ما يجول في خاطرك وأنت تسمعهم يتحدثون، عن التكلفة الفعلية لمعالجة طن النفايات، وأنجع الطرق الصحية للتخلص منها، والأساليب الحديثة المتبعة في كل بلد يحترم مواطنيه، والمبالغ التي يحضر لاختلاسها من قبل الشركات التي يحاول المسؤولون تلزيمها وتنفيعها. صار أصغر مواطن، يناقشك في التنظيم المدني، والأصول الهندسية، وتكاليف تشييد المرأب الفعلية، ونظافة البيئة، والمدن الخالية من السيارات، وطبيعة التربة الرملية التي سيحفر في باطنها المرأب. لم تفلح جامعاتنا العشوائية في تخريج طلاب مبدعين، لكنها شكلت أجيالاً تبحث عن المعلومة الصحيحة، وتدافع عن حقوقها بشراسة.
الطبقة السياسية العشائرية، تجابه مواطنين أكثر حداثة منها وتنورًا. معضلة تجعل المواجهة بين الطرفين، كمن يتحدث لغتين مختلفتين على أرض واحدة. الطبقة السياسية تتعامل مع المواطنين، كما قبل انتشار الجامعات، ويوم كان الحصول على الشهادة التكميلية فوزًا مبينًا.
مرأب طرابلس فجّر الغيظ من كل المظالم التي وقعت على المدينة، منذ انتهاء الحرب الأهلية، مرورًا بحرب جبل محسن - باب التبانة العبثية، التي دامت ست سنوات، تدمرت خلالها البنية الاقتصادية للعاصمة الثانية. الشح المالي يفتح العيون. لم تعد الأموال تتدفق بما يسمح بالاختلاس السهل. حين سمع المواطنون بعشرين مليون دولار، تكلفة حفر مرأب، جنّ جنونهم، حسبوا كم شقة يمكن لهم أن يشتروا، بهذه الملايين، وهم لا يستطيعون استئجار غرفة. ربط أحدهم بين المرأب وانتشار «العنوسة»، تساءل كم من شاب يمكنه أن يشتري شقة ويتزوج بهذا المبلغ الضخم، بدل صرفها على حفرة في باطن الأرض. طرابلس مدينة مساحاتها الحرة متاحة لإقامة مرائب بالجملة فوق الأرض، بأبخس الأثمان. يتخيل أحدهم أن ما يرسم للمدينة، هو مجرد قبر يحفره السياسيون ليدفنوا المواطنين فيه.
الناس في واد، والنواب والوزراء في مكان آخر. الهوة تتسع، والالتقاء صعب. أطلقت هيئات المجتمع المدني في بيروت إنذارها الأخير لحل مشكلة النفايات، بعد أن صارت زبالة لبنان تتصدر أغلفة المجلات العالمية، على اعتبارها من أبرز المعالم المستجدة، في بلاد الأرز. وينتظر الغاضبون من المرأب، في طرابلس، اجتماع المجلس البلدي ليروا إذا ما كان صوتهم قد سمع، أو أن العناد سيكمل حتى النهاية.
خفت نجم جماعة «طلعت ريحتكم» و«بدنا نحاسب». تمكن السياسيون من رمي الفتن بينهم، وتبريد الحراك، دون تحقيق أي من مطالبهم. المجتمع المدني يراهن على التراكمات، وطول النفس، فيما استراتيجية أهل السلطة، تفتقد إلى الرؤية الواضحة، لتبدلات الذهنية الشعبية.
المجتمع المدني يزداد تنظيمًا وإصرارًا. كل خلية لها محاموها، ومهندسوها، وإعلاميوها، وأطباؤها، ومستشاروها. تجارب الجوار الجحيمية علمت اللبنانيين أن التحركات السلمية، وإن طال أمدها لسنوات، هي أسلم من الشراسة التي تودي بالبلاد.
في طرابلس ولمواجهة مشروع المرأب، كل الأجيال نزلت إلى الساحة يوم الخميس الماضي. المعتصمون الذين يبيتون في الخيام، تجاوزوا الأربعين من أعمارهم. كبارًا وصغارًا، يقفون ضد ما يعتقدونه كسرًا لإرادتهم، واختلاسًا لأموالهم، وتشويهًا لمدينتهم. ثمة من لا يزالون يعتقدون أن موقفًا للسيارات لا يضر المدينة في شيء، ومن يخالفونهم الرأي متسلحون بملفات لكل التجارب القديمة، من المشاريع التي هبطت بالمظلات، وتبين أن لا نفع لها سوى ملء جيوب المتعهدين.
يغيب عن السلطة الحاكمة، بذهنيتها البائدة، أن المواطنين صاروا يعتبرون الساحات لهم، والشوارع حقهم، وأموال الدولة لبناء مستقبل أولادهم. وأن أي مشروع توافق عليه، يتوجب تبريره، وتقديم حيثياته بشفافية أمام الرأي العام وهيئاته، بعد أن أصبح أعضاء المجلس النيابي، دمى لا تشرع أو تحاسب. هذا ما حدث في ملف النفايات، بعد أن ثار الناشطون على قرارات الحكومة بتسليم متعهدين أزلام لوزرائها، وها هو الأمر يتكرر في طرابلس، بعد أن تم تلزيم مشروع المرأب بمبلغ فاق الخيال. تخفي السلطات تفاصيل التلزيمات المشبوهة، وتعلّم المواطنون بحكم المراس، كيف ينبشون الأسرار من الأدراج ويخرجونها إلى العلن. اللعبة لا تزال في بداياتها. المتظاهرون أعدادهم تعلو وتهبط، تبعًا للمزاج العام. الناشطون اللبنانيون يشحذون العزائم، ويرسمون الاستراتيجيات. بعد المرأب والنفايات الملفات كثيرة، وشائكة. رغم الفساد والشلل السياسي، لا أحد في لبنان يرغب في ثورة على الطريقة السورية والليبية. تجربة الحروب اللبنانية المديدة، كانت قاسية، وما خلفته من ذيول، لا يزال يدفع ثمنه المواطنون من لحمهم الحي.
الزمن كفيل ببلورة ما سيأتي، لكن تباشير التغيير المتدرج، بدأت تهب من المناطق، بعد بيروت. لا علاقة عضوية، بين المرأب والذل أو الكرامة، إنما هي الأزمات الاقتصادية تنحت الذهنيات. ومن لا يتقن قراءة صغير الإشارات، يفوّت على نفسه فرصة اتخاذ صحيح القرارات.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة