رئاسة الجمهورية أسهل من النفايات

رئاسة الجمهورية أسهل من النفايات

الاثنين - 14 جمادى الأولى 1437 هـ - 22 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13600]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
لم يترك وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، بصيص أمل للبنانيين، حين روى أمام مجلس الوزراء، أنه اضطر للاستعانة بوزير الصحة شخصيًا، كي يتمكن من إيجاد غرفة شاغرة لابنه، إثر وعكة تعرض لها، واستدعى الأمر 13 ساعة انتظار، بسبب اكتظاظ المستشفيات، نتيجة استفحال الأمراض، جراء تراكم النفايات. الوزير نفسه، الذي يفترض أن الكارثة وصلت إلى عقر داره، بعد أن غزت منازل المواطنين، غادر الجلسة الوزارية التي دامت أربع ساعات لمناقشة أمر النفايات، وقال على الأثر: «لم أفهم شيئا!».
انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، رغم الفراغ الممتد من سنة ونصف أسهل من حلحلة عقدة القمامة المتراكمة جبالاً، وبمقدورها أن تبيض ذهبًا، لمن يستثمرها، وهنا بيت القصيد، ولب الخلاف.
ليست صدفة بالتأكيد، أن نكتشف أن الشركتين اللتين أوكل إليهما ترحيل مئات آلاف أطنان المخلفات، محتالتان ومزورتان. «دود الخل منه وفيه» وأصغر مقاول، يعرف كيف يتأكد من هوية شركة يتعاقد معها، ولا يخدع بحيث تصل روائح فساده الفواحة، مرة إلى سيراليون، وغيرها إلى روسيا اللتين فوجئتا بنبأ ترحيل القمامة اللبنانية إلى أرضيهما، ولهما يعود الفضل في كشف التزوير للرأي العام اللبناني. والأنكى أن تدعي الدولتان السابقتان قضائيًا، على الشركتين اللتين كلفتا لبنان شهورًا من الانتظار المؤذي، فيما يبقى في بلاد الأرز من يدافع عنهما.
الألغاز لا تنتهي هنا، بل كيف لبلد مفلس، أن يقبل أصلاً بدفع مبلغ يزيد على 110 ملايين دولار، لجهات لم يتحقق من هويتها أو يعرف حقيقة قدرتها على إنجاز المهمة، وكيف لأربعة ملايين إنسان، أن يتراكم لديهم 550 ألف طن من القمامة، ولا يعرفون لأذاها ردًا.
وأن تتفوق مشكلة النفايات على كل ما عداها، فلأن الحل يستدعي تعاونًا وثيقًا، وتنسيقًا وطنيًا عاليًا، وإخلاصًا في إقرار الحلول، لا سحب الغطاء من هنا وجذبه هناك، لتنفيع هذا الوزير أو ذاك المحازب. معالجة النفايات التي تبقى مكتومة الصوت، في بلدان لها بنية وطن، تتفجر في لبنان، لأن كل منطقة ترفض استقبال نفايات الأخرى، أو حتى مد يد العون، لمعالجتها. لقد بات لفضلات البشر وبقاياهم، طائفة وعصبية وانتماء.
في كل الأحوال نجا اللبنانيون، من صفقة الترحيل واختلاساتها التي كانت تدبر في الظلام، ليقعوا في مأزق المحارق والمطامر، المحلية التي يفترض أن تكون البديل المناسب. التكاليف لن تكون زهيدة، ولا الفترة الزمنية المطلوبة قليلة. فتأهيل المطامر يحتاج شهورًا طويلة، والمحارق أربع سنوات على الأقل. وبالتالي ثمة أيام عصيبة صحيًا، تنتظر المواطن اللبناني، المنهك اقتصاديا واجتماعيًا في الأصل.
قدرت كلفة التدهور البيئي بعشرة ملايين دولار سنويًا. وثمة دراسات تظهر أن بعض المناطق السكنية التي يتم التخلص من القمامة بحرقها عشوائيًا، بين منازلها، وصلت نسبة التلوث بالديوكسين السام فيها إلى 400 مرة أكثر من الحد المسموح، هذا عدا الهيدروكربون المسرطن المستشري بقوة.
المشكلة تتصاعد، منذ سنوات، مع استغفال متعمد من المسؤولين. عدد السكان تصاعد بشكل كبير، خاصة بعد وصول اللاجئين السوريين، والعمران يأكل المزيد من المساحات، وإذا كانت ثمة دراسة تقول إن اللبنانيين ينتجون مليونا ونصف المليون طن من النفايات سنويًا فإن هذا الرقم مؤهل لأن يتضاعف بعد أقل من 15 سنة، مما يعني أن الحلول الرؤيوية مطلوبة هي الأخرى، فيما لا يرى أولو الأمر حتى أرنبة أنفهم.
في السياسة اللبنانية البحث دائمًا لا عن الحل وإنما عن البدائل. عوضًا عن مجلس الوزراء المشلول أغلب الأحيان، ابتكرت طاولة الحوار لتقطيع الوقت، وبعد الحرب حين تعذر تشغيل الوزارات اخترعت «المجالس» التي تحول كل منها إلى مغارة «علي بابا»، وعوضًا عن تفعيل الوزارات الخدماتية، أطلقت يد جمعيات المجتمع المدني، حتى لو مولتها العفاريت. وحين تعذر إيجاد حل لمعالجة النفايات، رغم أن الخطط جاهزة، والخبرات البشرية كبيرة، والأموال يمكن أن تتوفر، اخترع الترحيل بشركتيه الغامضتين، اللتين أبقي ملفاهما سرًا، يحظر على غير دائرة صغيرة جدًا معرفة خباياه. هذا يكشف، مرة أخرى، أن وقاحة الفساد السياسي في لبنان تجاوزت كل حد، وبات تدويرها مستحيلاً.
عود على بدء في مسلسل النفايات الدرامي. صحة المواطنين على المحك، الناس في واد والطبقة السياسية في آخر. ليست رئاسة الجمهورية ما يشغل الناس، وما إذا كان ميشال عون هو الأقرب إلى الكرسي أم سليمان فرنجية. الجميع يدرك أن شيئا لن يتغير في العمق. النظام نفسه، والتواطؤ ذاته، وإن تغيرت الأسماء، وتبدلت الوجوه. وأصدق من تحدث عما وصلت إليه كارثة النفايات، رئيس مجلس النواب نبيه بري حين غمز من قناة التخاصم على التقاسم، قائلاً: «كل ديك على مزبلته صيّاح». الرجل يعلم أنه لا حل إلا بأن تعنى كل منطقة بفضلاتها، وكل طائفة بنفاياتها، وليتدبر كل أمره بالطريقة التي تحلو له. في زمن التقسيم حتى في قضايا الحياة والموت يصعب الاتحاد.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
22/02/2016 - 17:56

استاذة سوسن الابطح
حديثك عن مشكلة القمامة ( النفايات ) فى لبنان وانها اصبحت مستعصية على الحل وتهدد الصحة العامة وتشغل الرأى العام اكثر من تفكيرهم فيمن سيتولى رئاسة الدولة هذا الحديث ازعجنى لاننا هنا فى مصر نعانى من نفس المشكلة , وهى تزداد تعقيدا يوما بعد يوم وان كانوا هنا فى مصر يرجعون تفاقم المشكلة الى انه تم التخلص من الخنازير عندما اشيع عن انتشار وباء انفلوانزا الخنازير وقد كانت هذه الخنازير هى التى تقضى على هذه المشكلة تماما حيث انها كانت تتغذى وتسمن على هذه القمامة اضافة الى ان القمامة كان لهااباطرة وقياصرة جمعوا ثروات هائلة من هذه القمامة عن طريق قيامهم بعمليات فرز وتصنيف القمامة من زجاج وعظم وحديد وبلاستيك وورق وغيرها من المواد التى تباع ويعاد تدويرها فى مصانع خاصة فماذا جرى ؟ هل ستصبح القمامة مشكلة دولية تحتاج للعرض على مجلس الامن

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة