«داعش».. استهداف سيادة الدولة

«داعش».. استهداف سيادة الدولة

الثلاثاء - 23 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 02 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13580]
يوسف الديني
كاتب سعودي

صوت نشاز يحاول رفع عقيرته عقب استهداف «داعش» للأحساء مجددًا في محاولة لتجنيس «الإرهاب» أو تأطيره بجغرافيا محددة، فيما تقوله استراتيجية «داعش» الجديدة أنها تستهدف «الشيعة» لأنهم سعوديون بالدرجة الأولى، وجزء من سيادة الدولة، وبالتالي فاستهدافهم هو بالأساس استهداف للدولة في أمنها الداخلي.
سجلّ السعودية في مكافحة الإرهاب غير مسبوق، فقد كان قدرها أن تعرف التنظيمات الراديكالية المتطرفة قبل أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، كما أنها تعرضت لهجمات الإرهابيين في الداخل أكثر من أي دولة أخرى، لكنها في النهاية تمثل قلب العالم الإسلامي بما يحمل ذلك من ثقل ديني وسياسي يحولها إلى مرمى نيران الإرهابيين من كل مكان. وبسبب تداخل مفهوم الدين والتديّن وعقود من استثمار جماعات الإسلام السياسي في الداخل، حضرت مفاهيم عنفية بدوافع سياسية منذ منتصف السبعينات لتتوج بحادثة جهيمان، ثم ما تلاها من تغوّل للتشدد الديني لتعود بعد حرب الخليج، فتقارع على عدة جبهات المتشددين، والإسلام السياسي، وأيضًا الحفاظ على المؤسسات الدينية والتعليمية من أي اختراقات آيديولوجية، لكننا نعلم أن تاريخ التحوّلات في مسار الأفكار الكبرى بطيء وبحاجة إلى دفع ذاتي عبر تبني برامج طويلة المدى في ما يخصّ الشباب والخطابات السائدة التي تمثل في أوقات ما «سلطة» معرفة لها مفعول أقوى من أي سلطة أخرى، فمن الصعب أن تحاصر الأشخاص المستلبين لفكرة الانتحار في سبيل تحقيق مآرب جماعات إرهابية تعدهم بدولة الخلافة على الأرض أو بخطابات الشهادة والخلاص، وكل من الخطابين من السهل أن يشق طريقه إلى عقول فئات سنية معينة تجتمع فيها عدة ظروف نفسية واجتماعية وفكرية تؤهلها لتبني أفكار كهذه.
هناك تركيز كبير على «العناصر» السعودية في كل مناطق التوتر، وهذا راجع إلى جملة من الأسباب تتصل بطبيعة تحول «السعودي» المقاتل إلى قيمة إضافية خارج قدراته الذاتية، فهو عامل دعائي مهم ومزدوج من حيث استخدامه ككارت ضغط سياسي، كما أنه عامل استقطاب لكوادر جديدة محملة عادة بالتمويل والدعم والمساندة أحيانًا للأسف من الأهل عن جهل وخوف من التواصل مع السلطات.
اليوم يتكرر الحديث ليس عن توصيف «الإرهاب»، فهو أمر قد تجاوزه المجتمع بعد أن طال العنف الداخل السعودي، وأصبحت الحرب على الإرهاب مهمة الدولة الأولى والمعركة ضده، كما قال الملك عبد الله مرات كثيرة وباستمرار، الحديث اليوم عن: بأي سلاح نحارب التطرف؟ وهنا تحولت المسألة من الرغبة في المعالجة والإصلاح من قبل التيارات الرئيسية في المشهد السعودي إلى الاستغلال والإسقاط السياسي والاحتراب.
الإسلام السياسي بمرجعية رموز الصحوة يتعامل مع الإرهاب على طريقة أكل الميتة، يستخدمه حين يفشل ويتضاءل موقعه وحجمه داخل المجتمع، إما بالدعم وإما بالتبرير وإما باعتباره نتيجة لأسباب سياسية يريد بها إحراج الأنظمة السياسية، لكنه لا يفكر أبدًا في اجتراح أي مبادرات لمكافحته، في كل حدث منذ حرب الخليج مرورًا بغزو العراق، ثم أحداث سوريا وما بينهما، عشرات البيانات لـ«النصرة» والتأييد والدعم والضغط على الحكومات باتخاذ الموقف. وبغض النظر عن أن فكرة «البيانات» تتخذ طابع المعارضة بلغة ومضامين سياسية في الغالب، إلا أنها تخلو من توضيح الموقف من أطراف المعادلة وتحديدًا الجماعات المتطرفة بمنظريها ومتطرفيها. هل قرأتم بيانًا واحدًا موجهًا إلى أي جماعة متطرفة في الصومال أو أفغانستان أو العراق أو سوريا أو حتى شخصيات تحريضية تكفيرية تدعو لذهاب الشباب للقتال؟ أليس هذا دورًا «شرعيًا» لا يمكن أن يسد ثغرته لا السياسي ولا الإعلامي؟
منذ أن انبثق الإرهاب بشعارات دينية ودوافع سياسية في منتصف السبعينات وهو يفرز أنواعًا معقدة وجديدة من الطرائق والاستراتيجيات مستفيدًا من التطور الهائل الذي يعيشه العالم، وغير مكترث للحرب عليه لأنه في النهاية يستهدف الكوادر العنفية على أبعد تقدير، لكنه لا يمسّ المناخ العام، ولا الفضاء الديني الذي فقدَ مرجعياته منذ انقلاب الإسلام السياسي على المرجعيات التقليدية، ومنذ تحول التيارات المناهضة للإسلام السياسي إلى تفسير الإرهاب عبر حصره في «التطرف الفكري»، في حين أن هذا التطرف هو واحد من جملة عشرات المفاتيح لفهم هذه الظاهرة المتنامية والمعقدة.
مرحلة «الجهاد» تحت راية شرعية كانت شرارة البدء وكان «مطبخ بيشاور» ومرحلة أفغانستان الطور البدائي لتكوين عمل مسلح خارج نطاق الدولة وبمباركة المجتمع الدولي آنذاك، ثم إرهاب «القاعدة» ما قبل العولمة كان يستهدف «إخراج المشركين»، وبعد تحالف بن لادن والظواهري لتصبح «القاعدة» ظاهرة عالمية، ودخلت ما تسمى «السلفية الجهادية» على الخط، وهي منتج صنع خارج البلدان العربية وتحديدًا في العواصم الغربية التي احتضنت قيادات إرهابية بارزة، والتي كونت مع منظر «الجهاد» أبي محمد المقدسي مرجعية للعنف المسلح جديدة قوضت كل الأطر والاشتراطات التي كانت تأتي من خارج «الجماعات الجهادية». لاحقًا انشق الإسلام السياسي ثم ترهلت المرجعيات الدينية، ليصبح «الإرهاب» سلعة سياسية رائجة لدى الجميع، ثم ظهرت أشكال جديدة: «إرهاب الهويات القلقة»، «الإرهاب الأشقر» الأوروبي، «إرهاب الذئاب المعزولة» في ضواحي العواصم الغربية، ثم «الإرهاب الفردي» المجند عبر أقانيم الإنترنت، لنصل إلى «داعش» المزيج مما سبق لكنه يسعى إلى تكوين الخلافة والدولة المزعومة ويرفع شعارات سياسية ويستهدف كوادر من كل أنحاء العالم، ويترشح أن تولد أشكال جديدة كلما تطورت الحالة السياسية، ومع وجود إرهاب ذي مرجعية شيعية في سوريا والعراق فإن إنتاج أشكال جديدة من الإرهاب السياسي الذي تقلص فيه الحضور الديني مرهون بالمناخ السياسي العام الميّال إلى تصعيد الميليشيات.
هل ثمة شيء مفاجئ من الانتقال من إخراج المشركين الشعار الناعم الذي كانت «القاعدة» تبيعه للفضاء الديني بكل أطيافه المعتدلة والرسمية والحركية إلى تفجير المصلين الذي يستنكره المتطرفون، بل وبعض المتعاطفين مع «داعش» باتوا يناقشون في أروقة «المنتديات الجهادية» عن جدواه في تشويه صورة التنظيم؟!
الحرب على الإرهاب هي حرب وجود وعدم لا يمكن تأطيرها بإطار زمني، لكننا بعد مرور هذه السنوات نحن بحاجة إلى حوار مع الذات أكثر من أي وقت مضى، فالخطابات المتطرفة المتعاطفة باتت فكرًا معولمًا يجد محاضنه في أزقة وشوارع الغرب وضواحيه أكثر من البلدان الإسلامية، وجموع المقاتلين الوافدين إلى «داعش» من أوروبا وشرق آسيا وبلدان المغرب العربي تفوق بمراحل المقاتلين الذين يصدرون للواجهة بسبب جنسياتهم الخليجية.
ما يقوله الإرهاب اليوم بوضوح هو أنه بلا لون أو جنسية أو دين، وهذا ما ستؤكده الأيام القادمة بغض النظر عن الفاعل، ذلك أن كل عملية إرهابية تضرب بفوضاها عالم اليوم ترسخ الاعتقاد بأن التطرف والعنف حالة مستقرة تنتظر مسبباتها وليس مجرد احتقان أو موجة عابرة.. تختلف المرجعيات وتتباين الدوافع، لكن يظل المحرك والخطاب النظري متشابهًا حيث التعصب لا دين له ولا مذهب.


[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة