بين التاريخ والجغرافيا!

بين التاريخ والجغرافيا!

الاثنين - 21 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 01 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13579]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

منذ انطلاقة أحداث ما بات يعرف بثورات الربيع العربي، والحديث لا ينقطع عن إعادة ترسيم حدود المنطقة بأدوات جديدة ومختلفة، وأن هناك دولا جديدة ستولد وأخرى ستختفي.
ويأتي هذا الحديث مع ذكرى مرور مائة عام على اتفافية سايكس – بيكو المشهورة بين وزيري الخارجية البريطاني والفرنسي، التي رسمت الحدود الحالية لما بات يعرف بالعالم العربي والذهنية العربية المأسورة و«المفتونة» بالتاريخ، أصبحت «مهووسة» بالجغرافيا، فهي باتت تعتقد أن الجغرافيا هي المقصلة الجديدة الموضوعة على رؤوسها وأنها هي وحدها «المستهدفة». والواقع أن التاريخ والجغرافيا لهما تجارب عالمية سابقة لا علاقة لها بالعرب ولا العالم العربي، فها هي دول البلقان بل وأوروبا الشرقية بأسرها التي تفككت وأعيد رسم حدودها وخرائطها بعد سقوط إمبراطوريات قوية وعريقة وظهور دول «جديدة» من بعدها.
وطبعا في العصر الحديث عرفت أوروبا سقوط جمهورية يوغسلافيا وخروج من تحت أنقاضها مجموعة كبيرة من الدول الجديدة، وانقسام جمهورية تشيكوسلوفاكيا إلى جمهوريتين جديدتين. فشل الدول العربية (بكل نماذجها؛ الإسلامي والقومي) في تكوين الدولة المدنية العصرية والتي تمنح حق المواطنة للجميع بسوية وعدالة، هو الذي أخرج شبح الجغرافيا من القبور، وأخرج الهياكل العظمية من الخزانات القديمة. فالدول التي حكمت بشعارات إسلامية ورددت أنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، طبقت في حكمها نهجا مغايرا، ليتبين أن هناك «فروقا» وليس «فارقا» واحدا، أما فيما يخص التيارات القومية فهي استخدمت الشعارات القومية لتميز وتفرق، بل ومن خلال النهج القومي تم فرز أحد أهم التوجهات الفاشية في هيئة الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي كان شعاره أن الشعب السوري (بالمعنى السوري الكبير الجامع للبنان والأردن وفلسطين وسوريا) هو أفضل الشعوب العربية، وذلك في نظرة أشبه ما تكون بالفكر النازي المتطرف جدا، وبالتالي كان الحكم باسم الدين وتارة باسم القومية وكلاهما ولد مجتمعات متأزمة فيها الكثير من الريبة والقلق والشك والخوف، وساهم في تأصيل الهوة بين طبقات المواطنة، كل ذلك كان بسبب أن دول الشعارات (أيا كانت دينية أو قومية) دون وجود دولة قانون تحميها عبر سلسلة واضحة وصريحة من الأنظمة والتشريعات والسياسات، تعزز قيم المواطنة وتجرم التفرقة والتمييز سيكون من الطبيعي جدا أن يكون هناك بيع وترويج لفكرة الشعوب المظلومة والمقهورة، ويأتي من يستغل ذلك بخبث.
هوس أهل العالم العربي بالتاريخ أعماهم عن واقع الحاضر، فجعلهم عرضة لانتقام وتقلبات الجغرافيا. المجتمعات الهشة هي وحدها التي تبقى في مهب الجغرافيا وعرضة لأمواج تقلباتها، هناك حراك «انفصالي» في أسكوتلندا ومقاطعة كيبك بكندا وشمال إيطاليا ومنطقة الباسك في إسبانيا وولايتي فيرمونت وتكساس في الولايات المتحدة، ولكنها كلها تبقى شاذة، لأن المجتمعات «مدنية» بطبعها ودولة القانون فيها قادرة على معالجة التفرقة والتمييز، وبالتالي تمنع فتن الجغرافيا من الوقوع. وفي ذلك حكمة عظيمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة