يحيا العدل

يحيا العدل

الأحد - 21 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 31 يناير 2016 مـ رقم العدد [13578]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

كم وزيرًا عندنا يجد في نفسه الشجاعة لأن يترك الكرسي ويتخلى عن السلطة وملحقاتها؛ المساعدين والسكرتيرات والسفرات بالدرجة الأولى والسيارة الفخمة وحامل الحقيبة، ويقدم استقالته لأن الحكومة اتخذت قرارًا يخالف مبادئه؟
فعلتها كريستيان توبيرا وزيرة العدل الفرنسية، «امرأة بمائة رجل» هذا ما كان سيقوله عنها الوالد، رحمه الله، لو بقي بيننا. لبست سترتها الجلدية الشبابية وغادرت الوزارة راكبة دراجتها الهوائية، بلا صفارات ولا زجاج مموه و«وسّع يا جدع». تركت باريس وذهبت لتشارك في ندوة دعاها إليها طلاب الحقوق في جامعة نيويورك. وهم قد وقفوا جميعًا حين دخلت السيدة الستينية السمراء ذات الضفائر الأفريقية إلى المدرج، وصفقوا لها. وكان واضحًا أن التحية ليست للوزيرة بل للمرأة التي صفقت وراءها باب العدلية، أكثر مناصب الحكومة أهمية وبريقًا في فرنسا.
اعترضت كريستيان توبيرا، أكثر من مرة، على الجنوح اليميني لحكومة مانويل فالس الاشتراكية. كانت أصوب «نشاز» في المعزوفة. حتى إذا وصل الأمر إلى مناقشة قانون يسمح بسحب الجنسية الفرنسية من الأجانب المتجنسين بها في حال تورطهم في قضايا الإرهاب، وقفت وزيرة العدل وقالت: «لا». إن حصر سحب الجنسية في الأجانب، حتى من ولدوا على التراب الفرنسي ولم يعرفوا وطنًا آخر، هو نوع من التمييز بين مواطني البلد الواحد. بينما ينصّ الدستور الفرنسي على المساواة. وهي إحدى ثلاثة مبادئ في الشعار الشهير للجمهورية: «حرية، مساواة، أُخوّة».
أمام طلبة الحقوق في نيويورك، قبل يومين، تحدثت توبيرا عن أهمية دولة القانون في تحقيق المساواة وصيانة الحريات. وعندما انتهت من خطابها «وقف من يطالبها بأن ترشح نفسها للانتخابات الرئاسية، العام المقبل». وصاح صوت من آخر القاعة: «نحن نحبك». فهل يحب الفرنسيون وزيرتهم المستقيلة بالقدر نفسه؟ وهل هم مستعدون للقبول بمرشحة خلاسية مثلما تقبّل الأميركيون رئيسًا أسود؟ لقد تذكرتها يوم اعترض وزير العدل المصري السابق على قبول أبناء الفقراء والزبالين في معهد القضاة. ذلك أن توبيرا، ابنة البقال، جاءت من جزيرة في البحر الكاريبي تبعد 7 آلاف كيلومتر وصارت وزيرة للعدل في باريس، المنصب الذي يجعل منها مؤتمنة على أختام الجمهورية. يعني المرأة التي تضع مفاتيح فرنسا في عبّها، مثل بوابة عمارتنا.
جاءت من جزيرة مجهولة اسمها «كايين» وجلست على كرسي الوزارة في ساحة «فاندوم»، أفخم ساحات العاصمة. ولم تهضم الأوساط العنصرية ذلك التعيين ولم تتوقف محاولات السخرية منها. وقارنتها إحدى صحف اليمين المتطرف بالقرد ونشرت صورتها بجانب صورة غوريلا. وكان هناك من زوّر لقطات على «النت» تبدو فيها الوزيرة رابضة على غصن وهي تلتهم الموز. لكن الفرنسيين العقلاء تقدموا يطالبون بإحالة أصحاب تلك المواقع إلى القضاء. ولم تهتز الوزيرة بل قالت: «متعودة». وأعلنت أنها تشعر بالرثاء لأولئك الذين يقيسون البشر بحسب ألوان جلودهم.
ما الذي يمكن أن يطعنوها به؟ سياسية صلبة منذ 40 عامًا. مثقفة تتكلم الفرنسية ببلاغة وحجة تحسد عليهما. هل تكون بشرتها القاتمة هي كل جريرتها؟ يكفيها أنها نجحت في إقناع نواب البرلمان بالتصويت على قانون يدين تجارة العبيد التي مارسها الرجل الأبيض على الأفارقة. «قانون توبيرا». وهي تكشف في كتاب لها بعنوان «العنصرية كما أشرحها لابنتي» كيف أنها عانت من التمييز حين جاءت للدراسة في باريس. لكنها لم تلتفت للتعليقات النابية بل عادت بعد التخرج إلى مسقط رأسها وواصلت العمل وخاضت الانتخابات وصارت نائبة في البرلمان الفرنسي عن جزر «غويانا» في الكاريبي.
لم تضع «المرأة البرونزية» عينيها على بوابات الدخول فحسب. بل تركت عينًا على مخرج الطوارئ. ولما عاتبها أنصارها على استقالتها وترك الساحة للرأي الآخر، ردت بأن الصمود ليس دائمًا بالبقاء، ففي بعض المرات يكون بالمغادرة، إخلاصًا للنفس وللآخرين وللمبدأ. دفعت الثمن من حياتها العامة والخاصة. وتطلقت من رفيقها في النضال، بعد 20 عامًا من الحياة المشتركة و4 أبناء، لأن الرجل الذي تحب خانها. لا مع امرأة غيرها بل خاض الانتخابات المحلية ضدها، على رأس قائمة منشقة عن زوجته. كم خربت السياسة من بيوت!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة