دس الأنف الإيراني في ما لا يعنيه

دس الأنف الإيراني في ما لا يعنيه

الخميس - 18 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 28 يناير 2016 مـ رقم العدد [13575]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

لا يختلف رد فعل إيران، على قرار السلطات السعودية بإعدام 47 مواطنًا أدانهم القضاء، عن رد فعل تسعة من نواب مجلس الأمة في الكويت على بيان صدر عن المجلس، يدعم الرياض ضد أي خطر.
لا يختلف رد الفعل في الحالة الأولى عنه في الحالة الثانية، لأن المعنى فيهما، كما سوف نرى، واحد، ولأن مواطني كل دولة عربية، لا مواطني دول الخليج الست وحدهم، مدعوون في هذا الظرف الذي يمر به الإقليم إلى الانتباه بكل ما لديهم من قوة ومن وعي إلى أن الانتماء إلى الوطن لا يجوز أن يجاريه، ولا أن يعلوه، أي انتماء سياسي آخر.
في الحالة الأولى، كانت إيران قد اعتبرت أن من حقها الاعتراض، ليس على إعدام الـ47 كلهم، وإنما على إعدام أربعة منهم يعتنقون المذهب الشيعي، وهو ما يعني، من جانب إيران، أنها تعتبر كل مواطن يعتنق هذا المذهب واحدًا من بين مواطنيها.. وبطبيعة الحال فإن أحدًا.. أي أحد في رأسه ذرة من عقل.. يستحيل أن يوافق طهران على هذا التصور.
إن من حق أي مواطن في أي بلد أن يكون له اعتقاده الخاص في ما يراه، ومن حقه أن يعتنق المذهب الشيعي أو غير المذهب الشيعي، ولكن عليه في اللحظة نفسها، بل في كل اللحظات، أن ينتبه إلى أن الانتماء إلى الوطن الذي يعيش على أرضه، ويحمل جنسيته، وينام تحت سمائه، يرتقي فوق كل الانتماءات التي تقع تحته، بحيث إذا جاء وقت كان على المواطن فيه أن يختار بين انتمائه إلى وطنه، وبلده، وأرضه، وبين أي انتماء سوى ذلك، جاء اختياره للوطن، وللبلد، للأرض، وهو مُغمض العينين.
إن واقعة النواب التسعة في الكويت محزنة بقدر ما هي كاشفة.. فلقد قاطع النواب التسعة جميعًا الجلسة التي قرر فيها مجلس الأمة أن يتضامن مع السعودية، بعد أن كان قد تلقى تقريرًا من الشيخ صباح الخالد، وزير الخارجية، عن موضوع الإعدامات وتداعياته، فإذا بالنواب التسعة، المعروف عنهم أنهم يعتنقون المذهب الشيعي، يغيبون بربطة المعلم، كما يقال، عن الجلسة!
إنهم يحملون جنسية الكويت، ويعيشون في الكويت، ويعملون في الكويت، ويمارسون حياتهم في الكويت.. ولكن.. في لحظة كاشفة، من نوع لحظة انعقاد جلسة البرلمان، تبين أن أجسادهم في بلدهم، وأن ما دون أجسادهم في مكان آخر.
لست أتهم أحدًا منهم بشيء، ولكني أظن أن ما بدر منهم شيء سيئ للغاية، وأن ناخبيهم أعطوهم أصواتهم ليكونوا، أي النواب التسعة، متضامنين مع قيادة بلدهم، في مثل هذه المواقف الفاصلة، التي تفرز بطبيعتها الرجال أكثر مما تفعل أي شيء آخر.
إنني أكاد أتصورهم وقد أصدروا بيانًا يقولون فيه إنهم لم يكونوا موفقين في غيابهم عن الجلسة، ولا في مقاطعتهم لها، وإنهم تسرعوا في ما أقدموا عليه، وإنهم نادمون، وإنهم راجعوا أنفسهم في هدوء، وإنهم لا يجدون حرجًا في أن يعودوا عن طريق مشوا فيه إذا ما تبين لهم أن المُضي فيه خطأ.. وهو ليس خطأ وفقط، ولكن خطأ في حق وطن.
إن المنطقة تمر بمرحلة لن يكون للدولة كدولة فيها نجاة إلا إذا كان لدى كل مواطن، في كل دولة عربية، يقين لا يتزعزع بأن الجماعات والميليشيات والفرق المتناحرة التي تريد أن تحل محل الدولة، باعتبارها كيانًا لا بديل عنه، إنما هي جماعات وميليشيات وفرق لا مستقبل لها، وأن الدولة الوطنية هي الركن الأخير لمواطنيها، وأنها وحدها حامية الأرض والمواطن معًا، وأن انحياز المواطن نحو أي ولاء خارج أرضه لا يفيد ولا يصمد ولا يستقيم.
وإذا كان آية الله خامنئي، مرشد الثورة في إيران، قد اعترف وهو يخاطب مسؤولي الهيئة التنفيذية للانتخابات الإيرانية، الخميس الماضي، بأن الاعتداء على السفارة السعودية في عاصمة بلاده أضر بإيران، وأن ما حدث كان «خطأ» وكان «سيئًا جدًا»، فالحقيقة أن ما قال به المرشد لم يكن هو الذي ننتظره منه لأننا كنا نتطلع إلى أن يتصرف كرجل دولة، لا كرجل ثورة، خصوصًا أن هذه هي ربما المرة الأولى التي يتكلم فيها بعد بدء سريان اتفاقه النووي مع الغرب، ومع الولايات المتحدة، أول هذا الشهر.
وقد كان خطاب رجل الدولة، لا رجل الثورة، منه يتطلب أن يقول إن قرار إعدام الـ47 مواطنًا سعوديًا هو شأن داخلي سعودي مجرد، وأن سلوك إيران في المنطقة، بعد بدء سريان الاتفاق النووي، سوف يكون غير سلوكها قبل ذلك، وأن سلوك الدولة، بطبيعته، وطبيعتها، لا سلوك الثورة، يقتضي التوقف عن دس الأنف الإيراني في ما لا يعنيه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة