خيال وتخيل!

خيال وتخيل!

الخميس - 18 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 28 يناير 2016 مـ رقم العدد [13575]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

منذ أيام قليلة قابلت أحد زملاء الدراسة من الذين لم أرهم منذ أمد بعيد، وتعجبت واستغربت من قدرته العجيبة على «إنكار» كل علامات التغيير والقلق والخوف البادية حولنا، وإصراره التام على أن كل شيء على ما يرام، وأن ما يحدث هو مبالغة عظيمة ومؤامرة أعظم، وأنا هنا لا أقول إنه كان «متفائلا»، ولكن أؤكد أنه كان في حالة إنكار عظيمة ومنغمرا تماما في نظرية المؤامرة والاعتقاد المطلق أن كل الأحداث التي تحصل هي بفعل «آخرين» ولا علاقة «لنا» بها.
واندهشت من قدرة الرجل على «تصديق» سيناريو كامل أوجده في مخيلته، بشكل كامل حتى بت على قناعة تامة أن نظرية المؤامرة في المخيلة العربية باتت أهم من نظرية فيثاغورس ونظرية النشوء والارتقاء.
حواري معه كان صورة نمطية لما يمكن أن يشاهد في مواقع مختلفة من العالم العربي ومن على منابره المختلفة، فأنا لا أنسى أبدا جلسة حضرتها بين بعض اللبنانيين الذين كانوا كما هي العادة يتحدثون بشغف شديد عن السياسة في بلادهم، وكان بعضهم ينتمون إلى إحدى «الضيع» أي القرى الصغيرة في الشمال اللبناني، وكانوا يعلقون على الانتخابات البلدية المحتدمة في هذه الضيعة الصغيرة بين مرشحين اثنين، وزاد أحدهم أن سبب هذا الموقف المحتدم في انتخابات الضيعة هو «تدخل» أميركا في هذه الانتخابات، ورغبتها في تفضيل أحد المرشحين على الآخر.
وتمعنت في هذا الحوار البيزنطي الذي كنت مجبورا على متابعته وهو الذي أصابني بتلبك بسبب «قناعة» المتحدث والمستمعين إليه، المشكلة الأخطر في هذا الطرح واتساع رقعة القبول به من مختلف الطبقات والشرائح، هي أنه بات هو القاعدة الأساسية لتحليل كل الأحداث بعيدا عن الاستناد إلى الأدلة والبراهين.
المجتمعات التي فيه حث على الإبداع والقدرة على التحليل تحولت هذه الطاقة الموجودة منذ نعومة الأظافر، وعلى مقاعد الدراسة إلى تفريخ للحلول غير التقليدية لمشكلات عويصة، وكذلك تقديم الآراء لأفكار مدهشة في الأعمال والإنتاج، وهذه النوعية من التفكير الجمعي تولد مجتمعات يطلق عليها «المجتمعات المتخيلة» والخيال الذي يحول إلى قدرة إنتاجية قابلة للقياس والمعاينة، تحول إلى أقسام حقيقية بإدارات وأفراد في شركات عملاقة مثل ديزني و3 إم وآبل على سبيل المثال لا الحصر. وهناك فارق عظيم وهائل بين الخيال والتخيل، فأن يكون خيالك منطلقا لتحقيق «غير المألوف» أو كما بات يعرف بمنظومة التفكير خارج الصندوق، وهي مسألة قامت بها دول مثل سنغافورة وماليزيا وتركيا ودبي والبرازيل على سبيل المثال، هذا سيكون تحقيقا للخيال بشكل حر ومفتوح، أما التخيل فأنك توجد لنفسك سيناريو في رأسك وتقنع نفسك به وتجد فيه الحل البسيط الكامل لمشكلاتك وتحدياتك كافة وهو بلا شك بديل مريح أشبه للمخدرات منه للحقيقة، ولكنه حتما بالنسبة لمن يتبعه ويستخدمه هو خيار مريح، لأنه يقدم جوابا كاملا على كل المشكلات الموجودة. المشكلات مسألة طبيعية وسنة كونية، ولكن الاعتراف بوجودها وإطلاق «الخيال» للتعامل معها يبقى العلة العظيمة عربيا في مواجهة خصم عظيم وهو «التخيل» بوجود عدو يحيك كل المؤامرات لإبقائنا على ما نحن فيه، وبذلك تخلي المسؤولية عنا. حل جميل ولكنه غبي!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة