نقد وإخراج وفول وطعمية

نقد وإخراج وفول وطعمية

الأربعاء - 17 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 27 يناير 2016 مـ رقم العدد [13574]
محمد رُضــا
صحافي متخصص في السينما

ذات يوم من القرن الماضي، سرت والمخرج المرحوم صلاح أبو سيف في حي البيكاديللي سيركل في لندن. إلى يسارنا ونحن نحاول أن نتّجه صوب شارينغ كروس ستريت، انتصب مطعم شاورما كنت حلفت يمينًا أن لا أدخله بعد مرّتي الأولى. نظر المخرج إلى المطعم ملاحظًا ثم سألني: «إيه رأيك يا محمد لو فتحنا أنا وانت مطعم فول وطعمية، هنا بلندن». اعتقدته يمزح فأجبت مازحًا: «ونأتي بممثلين يخدمون على الزبائن؟». لكنه أجاب: «بس أنا باتكلم جد. تعرف حنكسب منو كتير».
لا أذكر كيف انتهى الحديث، لكن لا بد أنني أعربت عن عدم إيماني بالفكرة، بحيث لم يتشجع المخرج اللامع في فكرته. لعله اعتقد أنني مصيب، أو آثر بحثها مع شخص آخر. إذ أتذكر ذلك وأتساءل حتى الآن عما قد يكون مصدر هذه الفكرة التي واتت المخرج المعروف بأفلامه المهمّة والثرية بأصولها الواقعية، الذي لم يكن متوقفًا عن العمل أو تحت ضغط إبداعي أو إنتاجي ما. هل هي فكرة راودته منذ مدة طويلة ومرورنا بالمطعم الصغير جعله يتذكر؟ أو هي بنت اللحظة فعلاً؟ أو نتيجة بحث داخلي عن مهنة قد تكون على بُعد 180 درجة مما يقوم به تحمل إليه تغييرًا جذريًا يتطلع إليه؟
لكن المخرج الواقعي الملتزم لم يكن بعيدًا عن الصواب، بل سبّاق في وجهته. ففي أواخر الثمانينات، أي بعد نحو فترة قصيرة من مرورنا بمطعم الشاورما المذكور، اشترك سيلفستر ستالون وأرنولد شوارزنيغر، وأعتقد بروس ويليس، في سلسلة مطاعم شهيرة افتتحوها في نيويورك ثم لندن وباريس.
والواقع أن الطعام والسينما متصلان بأكثر من مصران غليظ. هذه أمثلة:
> أحد أفضل مشاهد «العراب» هو مشهد قيام آل باتشينو بقتل رئيس البوليس (سترلينغ هايدن)، وزعيم المافيا (آل لتييري) في ذلك المطعم الإيطالي الذي خلا من الزبائن. كلنا لا نزال نذكر التكوين الخاص للمشهد. الترقب والتشويق الناتج عن إبداع المخرج فرنسيس فورد كوبولا، و(ربما) حبه للطعام. وقبل أيام تذكرت المشهد عندما دخلت وزميلة مطعمًا في سانست بوليفارد كان بدوره خالٍ من الزبائن. سألتني: «هل أنت متأكد أن طعامه جيد؟» أجبت بنبرتي التي استولت عليها القصص والأفلام البوليسية: «كلا، لست متأكدًا، لكنه مكان صالح للقتل».
> المخرج الراحل رأفت الميهي لديه مقال وصف فيه كيف يقوم بعض النقاد بكتابة مقالاتهم. كان المقال موجهًا إلى إحدى الناقدات دون سواها، فتخيلها تكتب المقال على طريقة قيامها بحشو الكوسا بالرز واللحمة خلال عملها في المطبخ.
> هناك ناقد واحد على الأقل، اضطر إلى العمل منظف صحون ونادلا في إحدى المدن الأوروبية. أعرفه، لكنني لست في وارد الإفصاح عن اسمه. وهو فعل ذلك، لأن النقد لم يضع له الطعام على المائدة أو يدفع له فواتير آخر الشهر. كان لا بد من حل. الطعام هو الحل.
إلى ما سبق، يكفي أن كثيرا من الأفلام المصرية مليئة بالأطباق والمآكل توضع على الطاولة، وتطير إليها الأيادي في سرعة.. «خد يا حبيبي الجمبري ده.. حيروّق مزاجك»، وهناك العبارة المتكررة في مئات الأفلام «أنا عملتلك ملوخية بالأرانب إنما إيه.. حتاكل صوابعك وراها».
شخصيًا أفضّل الإبقاء على أصابعي سليمة، لكن الحقيقة هي أن مشاهد الطعام في الأفلام من دون أي تعليق تؤدي إلى شهية المشاهد، بينما يسد الحوار نفسه على الآخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة