نذر المعركة البرية

نذر المعركة البرية

الثلاثاء - 16 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 26 يناير 2016 مـ رقم العدد [13573]

قالها جون كيري وزير الخارجية الأميركي منذ ديسمبر (كانون الأول) من العام المنصرم، لا نهاية لـ«داعش» في سوريا دون قوات برية، بل وحدد صفة هذه القوات بأنها عربية وسورية. ويؤكد اليوم نائب الرئيس جون بايدن، ومن تركيا، أن الولايات المتحدة مستعدة لحل عسكري في سوريا، رغم أن واشنطن كررت مرارًا خلال السنوات الخمس من عمر الأزمة السورية على الحل السياسي، ولم يثنها عن إرادتها شيء حتى بطش نظام بشار الأسد بالمدنيين وتجاوزه للقانون الدولي باستخدام السلاح الكيماوي.
يبدو أن شهية الأميركيين للتحرك العسكري تغيرت صعودًا.. بالنظر للمناخ السائد ولمجمل المعطيات فكلها تحفز على عمل عسكري تتوفر فيه شروط الحسم السريع، تحرك بري من البوابة التركية تجاه المحافظات الشمالية، مع غطاء جوي من قوات التحالف الدولي، يستهدف «داعش» وقوات النظام. معركة معد لها جيدًا، سريعة ومكثفة، يتم تنفيذها على أساس وحدة الأراضي السورية وفق مبدأ الوطنية، لا العقيدة ولا المذهب ولا العرق، يَنتزع فيها محوري الشر، «داعش» والنظام السوري.
بحساب عدد التحالفات على الساحة الإقليمية التي يمكنها الانخراط في هذا العمل الجماعي، فهناك التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم داعش، والتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب الذي تتزعمه السعودية، إضافة لمجلس التعاون الاستراتيجي الذي يضم السعودية وتركيا. ثلاثة تكتلات كلها تخدم القضية السورية والحل العسكري.
المستجدات التي طرأت وغيرت الحسابات الأميركية متعددة؛ أولها أن القضاء على «داعش» بات ضرورة بعد أن تطاول عدوانه ووصل إلى وسط أوروبا وأقصى غرب الولايات المتحدة، هذا يعني أن كل دولة غربية هي في مرمى عمل داعشي يضعف موقعها الدولي ويسيء لصورتها إن لم يتم وقف هذا العدو الذي يهدد السلم والاستقرار العالمي. أيضا الولايات المتحدة لم تكن لتقدم على عمل عسكري يضر بالمصالح الإيرانية المتمثلة في اتحاد «داعش» مع نظام بشار الأسد حينما كان التهديد النووي قائمًا، اليوم عملية ضرب «داعش» وانتزاع نظام الأسد لا يهددها النووي الإيراني بعد توقيع الاتفاق مع الغرب، وكل ما يمكن لإيران عمله هو أن توعز لحزب الله القيام بعمل في جنوب لبنان أو غزة على أمل إشغال الولايات المتحدة عن الأرض السورية. فقدت إيران قنبلتها النووية التي كانت تلوح بها لحمل خصومها على التراجع وإعادة التفكير.
أما القلعة الروسية التي يحتمي بداخلها بشار الأسد وزمرته منذ بداية الأزمة، وأخذت على عاتقها منذ سبتمبر (أيلول) الماضي عبء تدمير المعارضة السورية بعد أن فشلت في ذلك قوات النظام، فيبدو أن جدار هذه القلعة آخذ في الانخفاض. الوضع الاقتصادي في الداخل الروسي لا يبشر بخير خاصة مع الهبوط الحاد في أسعار النفط، والمعروف أن روسيا إحدى أكبر دول العالم عسكريًا، لكن اقتصادها ريعي يعتمد على النفط والغاز بنحو الثلثين، ولا تستطيع أن تنافس الغرب في قواعده الاقتصادية الصلبة إذا ما قورنت بكبار الدول الصناعية كألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. هذه العوامل انعكست على قيمة العملة الروسية الروبل التي وصلت إلى مستويات متدنية قياسية بالنسبة للدولار الأميركي بلغت 85 روبلا. رئيس أكبر مصرف في روسيا (سبير) ذكر الأسبوع الماضي أنه يخشى تحول روسيا إلى دولة فاشلة نظرا لإخفاقها في تأسيس اقتصاد قوي منافس لاقتصادات الدول الكبرى. ولا ننسى أن روسيا تعيش تحت وطأة العقوبات الغربية التي مست وضعها الداخلي منذ عامين على خلفية تغذية موسكو للنزعة الانفصالية لثوار روس في إقليم القرم في أوكرانيا ثم تدخلها العسكري لضم الإقليم. هذه العقوبات تدرجت من منع لشخصيات سياسية ورجال أعمال من السفر وحتى وقف القروض والاستثمارات في قطاعات حيوية كالطاقة، والمصارف، كمصرف (غازبروم بنك) الذي يمثل جزءًا من منظومة شركة غازبروم العملاقة للطاقة، ومصرف (فنيش أكونوم بنك) الحكومي العريق، والصناعات العسكرية كشركة (كلاشنيكوف) المعروفة بصناعة الأسلحة. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عازمان على مواصلة فرض هذه العقوبات، وقد تم تجديدها بالفعل في سبتمبر الماضي، حتى يتم تطبيق اتفاق «مينسك» الذي جرى بين قادة روسيا وأوكرانيا، وألمانيا وفرنسا ويتضمن سحب المظاهر العسكرية والإفراج عن الرهائن.
حتى تصادمها مع تركيا، كأحد تداعيات إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية، وهي شريكتها التجارية في قطاع الغاز، لم يؤثر على تركيا بقدر تأثيره على روسيا التي بادرت بالتهديد بقطع إمدادات الغاز المسال، مما شكل ثقلاً ضاغطًا على أنقرة نظرًا للمشروعات المشتركة في هذا الحقل بين الجانبين، فلم تتردد في البحث عن بديل محرزة نجاحًا في جولة كسبتها بالتوقيع مع قطر كمصدر بديل للغاز الروسي، إضافة لإسرائيل وإيران، مما اضطر روسيا لتغيير لهجتها وإبداء التزامها بمواصلة إمداد تركيا بالغاز، بل وزيادة كمية توريداتها..
كل هذه الظروف السيئة تنبئ بركود اقتصادي روسي وشيك، ومن هذا الواقع الصعب ستجد موسكو نفسها بين خيارات ضيقة؛ إما الانسحاب والعودة للأراضي الروسية، أو اتخاذ موقف المتفرج على ساحة المعركة دون التعرض للقوات البرية المفترضة، أو أنها، وهذا غير مستبعد، ستشارك في العمل العسكري ضد «داعش»، دون الأخذ بالاعتبار مصلحة النظام السوري.
إذا تحقق هذا التحرك على هذا المستوى فسيكون له نصيب كبير من النجاح في حل أحد أكبر النزاعات والمآسي الإنسانية في وقتنا المعاصر، وسيعيد ثقة الشعوب في النظام الدولي الذي يحكمها.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة