الاحتواء الناعم!

الاحتواء الناعم!

الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 25 يناير 2016 مـ رقم العدد [13572]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

عندما تتدهور أحوال حزب حاكم وينشغل بالانقسامات والاستقالات والمعارك الشخصيّة، فإن كل هذا الرصيد السلبي ينصهر ليتحول إلى رصيد إيجابي في صالح الحزب الأكثر منافسة له.
إن هذه العملية المتكررة في الحقول السياسيّة بشكل عام هي بصدد الاعتمال في المشهد السياسي التونسي: حزب «نداء تونس» في أزمة عميقة، تتمظهر في انقسامه وفي تتالي الاستقالات من الحركة ومن الكتلة النيابية الممثلة للحركة في مجلس الشعب.
ولمّا راهن التونسيون كثيرًا على حركة «نداء تونس»، وقاموا بالتصويت لفائدتها رغم أنها حركة حديثة العهد سياسيا وقانونيًا، فإن دخول الحزب في حالة تأزم مجاني ومتواصل قد أصاب التونسيين بنوع من الخيبة والإحباط.
وبطبيعة الحال، فإن المستفيد من تصدع حركة «نداء تونس»، ومن انطفاء جاذبيتها الشعبية بسرعة شديدة، التي انتهت بها - أي الجاذبية الشعبية - إلى الفوز في الانتخابات التشريعية والرئاسية، هي دون شك حركة «النهضة»، الحزب الثاني في البلاد.
لا تفوتنا الإشارة إلى أن الاستفادة التي عبرنا عنها إنما هي بالأساس استفادة رمزية غير مباشرة. كما أنها استفادة تتمثل في كونها مكنت حركة «النهضة» من أخذ أنفاسها، ومن تجاوز عقدة كاريزما السيد الباجي قائد السبسي رئيس تونس الحالي، وذلك من دون بذل أي جهد يذكر. ذلك أن أزمة حركة «نداء تونس» خرج منها كل الندائيين بمن فيهم رئيس الدولة بخسارة رمزية فادحة، خصوصًا أن المعركة داخل الحركة ارتبطت بالصراع بين شق يمثله نجل الرئيس وشق آخر.
ويجب ألا نستهين بمثل هذا الإنجاز الرمزي المهم؛ حيث إنه في الوقت الذي كانت تتصاعد فيه شعبية الباجي قائد السبسي على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة، مع التمتع بالمساندة الإعلامية والدبلوماسية القوية، وأيضًا دعم أصوات حداثية وحقوقية مؤثرة، كان يوجد في مقابل ذلك مواقف تُغذي توجه البعض، الذين استندوا إلى شيطنة السيد راشد الغنوشي وقيادات حركة النهضة واتهامها المتكرر بالضلوع في توريط تونسيين في شباك الإرهاب والتفكير المتشدد والاغتيالات السياسية والسماح لزعيم حركة أنصار الشريعة بالفرار من تونس.. إذن يمكن القول إن أزمة «نداء تونس» وفشلها في المحافظة على صورتها إبان تشكلها، قد هيأ المشهد السياسي بطريقة مختلفة، سمحت بتموقع رمزي أفضل لحركة «النهضة»، ولقياداتها، حيث بدأت بعض الإشادات تتسرب من هنا وهناك، تتضمن اعترافات ضمنية ومباشرة بقدرة حركة «النهضة» على التنظيم والانضباط السياسيين وذكاء رئيسها وقدرته على الاتصال السياسي، وغير ذلك من الإشادات التي تعلن عن الشروع في القيام بنوع من المقارنة اللاواعية (مقارنة ذكاء سياسي وليست مقارنة رجال دولة).
ويمكن القول إنه من تداعيات فشل حركة «نداء تونس» في المحافظة على ثقة أعداد كبيرة من منتخبيها، وإن حركة النهضة تتمتع حاليًا بوضع مريح جدًا، فهي من جهة موجودة في الائتلاف الحاكم وتأثيرها في الحكم في تزايد، وفي الوقت نفسه هي ليست في واجهة الحكم، باعتبار أن حركة «نداء تونس» هي الحزب الحاكم، ومن ثم فهي تتحمل كل الخسارة والفشل في صورة حصولهما، تمامًا كما حصل مع حركة النهضة عندما فازت بالأغلبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وكونت حكومة الترويكا، حيث تحملت ساعتها بمفردها وزر الفشل والاغتيالات السياسية (اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي). بل إنها اضطرت للانسحاب من الحكم مكرهة والرضوخ لخريطة الطريق التي وضعها الرباعي الراعي للحوار آنذاك.
وبتعبير آخر، فإن حركة «النهضة» اليوم هي فاعلة مستترة ومراقبة في الوقت نفسه، وهي مرحلة مهمة في بناء تجربة الحركة وتراكم خبراتها، وقد حرمت نفسها منها عندما سارعت إلى ممارسة الحكم والمشاركة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وهو ما تسبب بطبيعة الحال في سقوطها فيما بعد.
أيضًا نجح راشد الغنوشي نسبيًا في كسب الرهان داخل «النهضة» نفسها؛ إذ إنه لا يخفى على الكثير أن هناك شقًا واسعًا كان - ولا يزال الكثير منهم - ضد تقاربه مع السيد السبسي ومع إسقاط قانون العزل السياسي، الذي سمح لحركة نداء تونس بالوجود السياسي؛ أي إن الواقع السياسي الراهن، أثبت اتجاه الغنوشي في اعتماد الصبر السياسي والانحناء للريح الصرصر.
ولعل هذه الحسابات المدروسة لزعيم حركة النهضة السيد راشد الغنوشي، ستقوي من تأثيره ومن تأثير جناحه والأصوات القريبة منه داخل الحركة، وذلك تحديدًا في المؤتمر العام العاشر للحركة الذي سينعقد في الربيع المقبل.
إذن نحن أمام نوع من تطبيق ما يمكن تسميته بسياسة الاحتواء الناعم ولأكثر من طرف في الوقت نفسه: تكتيك ناعم في اتجاه داخل الحركة وفي اتجاه المحيط السياسي العام الموجودة ضمنه. وكما نلحظ، فإنها سياسة لا تجلب الخسارة أبدًا.
وإذا استطاعت حركة النهضة استكمال نهج الاحتواء الناعم بالحسم اللازم في مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي، فإنه يمكن توقع استعادة جزء لا بأس به، ممّا أضاعته الحركة أثناء حكمها بالأغلبية النسبية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو