تعظيم سلام (للحمير) جميعًا

تعظيم سلام (للحمير) جميعًا

الأحد - 14 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 24 يناير 2016 مـ رقم العدد [13571]

جبال السروات الممتدة في غرب السعودية تتراوح ارتفاعاتها من ألف متر إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة متر، وبينها وبين ساحل البحر الأحمر يقع سهل تهامة الذي يتراوح عرضه من مائة كيلومتر إلى مائتين.
وجبال عسير زاخرة بالقرى، وكذلك سهول تهامة، ونظرًا لصعوبة التضاريس، اضطرت الدولة إلى أن تشق الطرق في الجبال، من أجل أن يتواصل السكان في ما بين بعضهم البعض بكل سهولة، وفعلا توجد الآن ما بين الطائف شمالا وظهران الجنوب جنوبا (14) عقبة ذللت نهائيًا، وتعبرها يوميًا مئات الآلاف من السيارات والشاحنات الصاعدة والنازلة في كل الاتجاهات، تحمل البضائع والمحاصيل، والباحثين من المواطنين عن الاستمتاع بالبحر في المناطق الدافئة، أو الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الرائعة في الجبال الشاهقة الباردة.
وبالمناسبة، فقد التقيت بمهندس سعودي شاب، كان من ضمن الفريق العامل مع إحدى الشركات المنفذة لعقبة (سنان) في منطقة الباحة، ونظرًا لطبيعة عمله فقد كان يتأتى عليه أن يمكث أحيانًا في الموقع لعدة أشهر.
ويقول: «إنني في أحد الأيام وبينما كنت منهمكًا في التخطيط على الطبيعة بواسطة الآلات المعقدة، إذا بي ألاحظ أن عجوزًا قرويًا جالسًا على البعد يراقبني باهتمام.
وما إن توقفت عن العمل قليلا من أجل أن أستريح وأتناول مشروبًا باردًا أجدد به نشاطي، حتى اقترب ذلك القروي مني وسألني: ماذا تفعل؟!
فقلت له: إنني أحاول أن أخطط جزءًا من الطريق.
وسألني مرة أخرى: وما حاجتك إلى كل هذه الآلات؟!
فقلت له: إنني بواسطتها أستطيع أن أستدل على المسار الصحيح.
فقال: إننا قديمًا كنا إذا أردنا أن نستدل على المسار الصحيح، لا نعتمد إلا على الحمار، فهو الكائن الوحيد الذي يعرف أسهل وأقصر المسالك.
فقلت له مازحًا: طيب.. وماذا تفعلون إذا لم تجدوا حمارًا؟!
عندها أجابني بخبث وهو يبتسم قائلا: ساعتها لا بد من استقدام مهندس مثلك».
انتهت رواية المهندس مع القروي التي حكاها لي.
وفعلا وكما هو معروف عند القدماء القاطنين في المناطق الجبلية، فهم لا يشقون طريقًا أو يرصفونه إلا على خطى الحمار، فالحمير كانت بالنسبة لهم بمثابة المهندسين.
وسبق لي مع مجموعة من الرفاق أن صعدنا (جبل كرا) من سفحه عند (المعسل) إلى قمته في (الهدا)، سيرًا على الأقدام، وفي كل خطوة كنت أخطوها كنت أدعو وأترحم على الحمير.
وهذا الطريق مثلما تذكر المصادر كان قائمًا منذ عهد الجاهلية، والدليل على ذلك أن الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عندما ذهب إلى الطائف صعد من خلاله.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة