الغناء في ثوب أسود

الغناء في ثوب أسود

الجمعة - 12 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 22 يناير 2016 مـ رقم العدد [13569]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

اعترض نائب أردني محافظ على فوز فتاة محجبة في مباراة عالمية تجريها «إم بي سي»، ولم يعدم روح الدعابة أو يحظر الابتسام، إذ أكمل قائلاً: «لم يبق سوى أن نشهد رقاصات محجبات». يذكِّرُ ذلك بأن كبار مطربات العصر في القرن الماضي كنَّ لا يظهرن على المسرح إلا محجبات وفي ثياب سوداء. هكذا كانت تغني أم كلثوم، وهكذا غنت أسمهان، التي حاربت عائلتها ظهورها على المسرح، حتى وفاتها في حادث غرق غامض لم يُحلّ سرّه أحد حتى الآن. وقد لا يكون فيه أي سر على الإطلاق.
وكان الغناء مهنة الفقراء، وأجور المغنين والمغنيات مثل أجور سائر أهل الفن، متدنية، وأحيانا مهينة. واليوم تنشر لوائح حول ثروات المغنيات لا أدري مدى صحتها أو دقتها. لكنها تشبه لوائح ثروات لاعبي الكرة. ومنها أن ثروة الفنانة هيفاء وهبي نحو سبعين مليون دولار. ويقال إن فيروز جمعت خلال ستين عامًا نحو 17 مليون دولار. وهي آخر من ظهر على المسرح بفستان طويل إلى ما تحت القدمين، وأكمام طويلة، مثل مطربات أوائل القرن الماضي. ولا في فيلم، أو في مسرحية، ظهرت في ثوب غير كامل الاحتشام.
حافظت أم كلثوم على منديل الرأس ومنديل اليد. لكنها ظلت حتى النهاية تغني للحب والأطلال وقصائد أحمد رامي التي ساهمت في بروزها، كما ساهمت في شهرة أسمهان. الرجل الثاني الذي ساهم في جوهرة الاثنتين كان محمد القصبجي. وكان بعض النقاد يعتقد أنه أهم ملحن مصري، أما أنا كسامع لا يعرف عن أصول الموسيقى شيئًا عدا متعتها، فأعتقد ذلك أيضًا.
وأرجو ألا يُفهم أن ذوقي في الغناء والموسيقى مشابه لذوق النائب الأردني الكريم. فالحجاب ليس للصوت. ربما أن العرب نسوا فلسطين واستراحوا من هذا الهم، فلا بأس أن تذكِّرنا بها برامج صناعة النجوم، كما حدث من قبل مع محمد عساف الذي طغى على أسماء كثيرة في مصانع «التفقيس» اللبنانية والمصرية.
لقد بقي القليل من الغناء ولا بد من المحافظة عليه. الباقي كليبات وفساتين فوق الشجر وتحت الشجر. ولم تعد هناك حاجة إلى كلمات أو لحن في وجود مخرج يعرف كيف يعوِّض عن غياب الحنجرة والموسيقى بعرض أزياء ومفروشات ومن جميعه.
لست ضد الحداثة. أنا معها في الرسم والفنون والموسيقى والأدب. أنا ضد الرداءة، حديثة أو قديمة أو ما قبل التاريخ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة