سر الخطاب

سر الخطاب

الخميس - 11 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 21 يناير 2016 مـ رقم العدد [13568]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

ربح ونستون تشرشل الحرب للبريطانيين، لكنهم أسقطوه في انتخابات 1945. وربما بسبب شعور فادح بالذنب، لا يمر عام إلا ويصدر كتاب، أو مجلد، عن تاريخه. وعندما تدخل مكتبات لندن بحثًا عن المنشورات الجديدة تجد أن الجناح الخاص به قد تزايد، كأنما البريطانيون ماضون في اعتذار لا نهاية له.
ماذا كان سر تشرشل؟ كيف انتصر رجل سمين، متقدم في السن، محب للحياة والسيجار والشمبانيا والترف، على هتلر وموسوليني، وتفوق على ستالين؟ لا يمكن أن يكون هناك سر واحد في شخصية من هذا النوع. وإذا كان ديغول قد قال إنه نتاج الكتب التي قرأها، فأعتقد أن تشرشل هو نتاج التاريخ الذي درسه، خصوصًا التاريخ البريطاني. وقبل أن يلقي أي خطبة من تلك الخطب التي أشعلت الحماس القومي وصدت الهزيمة، كان يعيد قراءة خطب الزعماء الكبار الذين سبقوه، كما كان يتدرب على الإلقاء، باحثًا عن الأقوال الأكثر تأثيرًا في شعب يتعرض للخسائر والكوارث.
«الحروب لا تربح بالانسحابات»، كان يقول. وعندما اقترح أحد النواب نقل موجودات المتاحف إلى كندا قال: «بل سوف ندفنها هنا، تحت هذا التراب، لأننا سنربح الحرب ذات يوم».
السر الآخر أنه لم يكن يخدع الناس بالأخبار الزائفة، بل العكس، كان يبدأ خطبه بالقول: «ثمة أخبار سيئة»، أو «لقد وقعت كارثة عسكرية هائلة»، لكنه يستدرك وسط تصفيق حاد: «غير أننا لن نكتفي بحرب دفاعية». وكان يتحدث في صوت خفيض ثم يزأر فجأة، ملء حنجرته: «لن نستسلم»، أو تلك الجملة الشهيرة: «سوف نحاربهم في البحار، سوف نحاربهم على الشواطئ..».
لم يكن له شكل الخطباء الساحرين في التاريخ مثل مشاهير روما القديمة، بالعكس، كان شديد السمنة، أصلع الرأس، «يتدلى كرشه أمامه»، كما وصفه هارولد نيكلسون.. «لكن كلماته كانت تبعث القشعريرة في العمود الفقري».
قال برلماني آخر، وهو يصغي كيف ينزع تشرشل الانهزامية من النفوس: «خطبة تساوي ألف عام وألف مدفع». حتى جورج أورويل، الاشتراكي المعادي للأرستقراطية، قال إنه «يبدو وهو يخطب مثل إنسان، لا مثل سياسي». أليس الإلقاء نصف الخطاب، أو نصف القصيدة؟ لذلك، يحرص كل رئيس أميركي على أن يكون خطاب التنصيب مكتوبًا للتاريخ، أكثر مما للحضور.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة