أزمة المعارضة العربية

أزمة المعارضة العربية

الخميس - 11 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 21 يناير 2016 مـ رقم العدد [13568]

يحلو للكثير من الناس محاكمة «الربيع العربي» من زاوية فشله في تحقيق أي من الآمال والأحلام التي رافقت أيامه وشهوره الأولى، بل وقيادة المنطقة نحو سلسلة من الكوارث والأزمات. هناك عوامل كثيرة بلا شك تداخلت لتنتهي بذلك «الربيع» العابر إلى ما انتهى إليه من فوضى وأزمات وحروب، منها عوامل داخلية وأخرى خارجية، ومنها الفراغ الهائل الناجم عن السقوط السريع لأنظمة حكمت وتحكمت لفترة طويلة (مصر وتونس)، أو استماتة بعضها في محاولة التشبث بالحكم واللجوء إلى القمع المفرط مما أدى، مع عوامل أخرى بعضها خارجي، إلى تحويل انتفاضات سلمية إلى حروب مدمرة (سوريا وليبيا واليمن).
هناك أيضًا التوقعات العالية والآمال الكبيرة التي كبلت الربيع العربي وأدت إلى إحباطات سريعة، لأن الناس اعتبروا أن مجرد التغيير يعني أن كل آمالهم سوف تتحقق، وأن أحوالهم سوف تتبدل في لمحة بصر. فورة ما سمي مجازًا بالربيع أنست الناس أن التغيير يحتاج إلى وقت وصبر، وأن تطور الأمم وتطويرها لأنظمتها الخاصة في الحكم التي تلائم ظروفها ومجتمعاتها لا بد أن يمر بمراحل قد يؤدي القفز فوقها إلى نتائج عكسية.
الأهم من كل ذلك أن الربيع العربي لم يكشف فقط حجم أزمتنا وأزمة الأنظمة التي ثار الناس ضدها، بل كشف فشل المعارضة أو المعارضات العربية في تقديم نفسها كبديل مقنع، وموثوق، وقادر على تحقيق طموحات الناس وآمالهم.
أزمة المعارضة العربية سابقة بالتأكيد للربيع العربي، لكنها ترسخت أكثر في ذهن الناس بسبب الأداء المحبط والنتائج المخيبة لهذه المعارضات، وبسبب الانتكاسات أو الحروب والفوضى التي انتهت إليها الأمور. فالانطباع السائد الآن أن أحزاب وفئات المعارضة، في ضعفها وشتاتها وانغماسها في مصالحها وفي أحلام السلطة، انعزلت عن الناس وانفصلت عن همومهم، وبالتالي لم تعد قادرة على إقناعهم بأهليتها للحكم كبديل أفضل من الأنظمة التي تعارضها. يكفي للتدليل على ذلك أن الناس يترحمون اليوم على الماضي، ويحنون إلى عهود أنظمة أطاحوا بها، بينما تسود نغمة الخوف من أن التغيير قد يعني الفوضى والحروب.
المشكلة في المعارضات العربية لا تتعلق بتيار فكري معين، بل هي مشكلة عامة تتجاوز الأطر الآيديولوجية، وتشمل التيارات الليبرالية مثلما تشمل الأحزاب اليسارية أو تلك التي ترفع شعارات دينية. كثير من أحزاب المعارضة التي تتهم الأنظمة الحاكمة بالاستبداد تفتقر في داخلها إلى الممارسات الديمقراطية. وهناك معارضون يتولون قيادة أحزابهم فترات أطول من فترات حكم الأنظمة التي يعارضونها ويتهمونها بالديكتاتورية والتشبث بمقاعد السلطة.
أحزاب اليسار أصبحت في نظر الناس نموذجًا للنخبوية الغارقة في التنظير، بينما الأحزاب «الإسلامية» باتت نموذجًا للوصولية والانتهازية. في مصر قدم «الإخوان المسلمون» نموذجًا آخر على أن الأحزاب «الإسلامية» العربية، أو فلنقل غالبيتها، لديها ميل لفرض حكم استبدادي، وأنها لا تؤمن بالديمقراطية بل تتبناها تكتيكيًا فقط، فإذا بلغت مقصدها في الحكم كشفت عن وجهها الحقيقي واتجهت نحو طريق الاستبداد والانفراد بالسلطة. ففي السودان نفذ «الإسلاميون» انقلابًا عسكريًا على الديمقراطية التي كانوا جزءًا من برلمانها، ورأوا أن يفرضوا حكمهم بالدبابات بدلا من الامتثال لصناديق الاقتراع.
قد يقول قائل إن الأحزاب الإسلامية في تونس والمغرب تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا، وإنها أثبتت رغبة في التداول السلمي الديمقراطي للسلطة، وهو أمر يمكن الرد عليه بأن التجربة في البلدين وإن كانت تستحق التأمل إلا أنها في بداياتها ولا بد من التمهل ومراقبتها لمعرفة إلى أين ستسير قبل إطلاق حكم بشأنها.
الإسلاميون ليسوا وحدهم في الفشل بتقديم أوراق اعتماد ديمقراطية، لأن اليسار بأحزابه الشيوعية والقومية لجأ أيضًا إلى طريق الانقلابات التي سموها ثورات، وتاريخ المنطقة زاخر بالأمثلة التي خلفت ديكتاتوريات وحروبًا وأزمات. هناك بالطبع تيارات وأحزاب أخرى خارج تصنيف اليسار السياسي واليمين الديني، لكنها تعاني أيضًا من أمراض العجز والفشل التي أصابت المعارضة العربية بمختلف مكوناتها. لهذا ليس غريبًا أن الشباب انفضوا عن أحزاب المعارضة التقليدية مثلما اتضح في ثورات الربيع العربي، ولجأوا إلى ما يمكن تسميته بحزب الفضاء الإنترنتي كساحة للمعارضة وللتعبير عن همومهم ومشاغلهم وقضاياهم. والشباب ليسوا وحدهم بالطبع، لأن الإحباط يكاد يكون ظاهرة عامة عندما يرى الناس ما يحدث مثلاً في ليبيا وسوريا والعراق واليمن من اقتتال وتمزق بسبب فشل النخب السياسية في الحكم والمعارضة، أو ما يحدث في دول أخرى بسبب عدم فهم أهمية ودور ومسؤولية المعارضة، إضافة إلى غياب المؤسساتية.
الربيع العربي الذي تمر ذكراه الخامسة من دون أن يترحم الناس عليه لأسباب واضحة لم يكن رسالة للأنظمة فحسب كما يحب البعض أن يراه، بل شكل بنتائجه محاكمة للمعارضات العربية التي لا يبدو حتى الآن أنها استوعبت الرسالة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة