تفكيك قلب المشروع النووي

تفكيك قلب المشروع النووي

الثلاثاء - 9 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 19 يناير 2016 مـ رقم العدد [13566]

بعد ستة أشهر بالتمام من توقيع الاتفاق، أكملت إيران تنفيذ ما تعهدت به من التزامات أمام القوى الدولية، لإعادة عجلة برنامجها النووي إلى الوراء 15 عامًا على أقل تقدير. أزالت ثلثي أجهزة الطرد المركزي، وأبقت على اليورانيوم منخفض التخصيب، وفي آخر مرحلة، انتزعت قلب مفاعل «آراك» للماء الثقيل وفككته، وستبقى أعين المفتشين الدوليين عقدين من الزمان تراقب أي نشاطات مشبوهة.
إيران تنازلت عن حلمها النووي الذي كلفها قرابة 400 مليار دولار، وتسبب في حظر اقتصادي لمدة تجاوزت الثمانية أعوام، حرمها عوائد تجارية بلغت تقديراتها ضعف هذا المبلغ، مقابل العودة للمجتمع الدولي. ثمن يستحق.. العزلة الدولية المترتبة على الممارسات المنبوذة والتاريخ الشائن، هي أسوأ ما قد يصيب أي دولة ومواطنيها، سواء في تضرر مصالحهم المادية المباشرة، أو بصورتهم السلبية في أذهان العالم. الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي احتفى بعودة بلاده للمجتمع الدولي لم يذكر أنه تنازل عن طموح قومي كان يمثل السطر الأول في خطاب طهران الخارجي والمحلي طوال أعوام مضت. إيران خلال سنوات العقوبات الدولية لم تكن دولة قائمة بمعنى الكلمة؛ المصارف معطلة.. أعمال التنقيب والمصافي النفطية والتصدير معلقة.. المطارات وخطوط الطيران شبه مشلولة.. الحركة التجارية متوقفة وتحت رقابة الأمم المتحدة والدول الغربية، والخدمات العامة في أدنى مستوياتها بسبب قلة الموارد، مما أحكم القبضة الأمنية على الشارع الذي عض على لسانه بعد حجز رموز المعارضة تحت الإقامة الجبرية. الاحتفاء الإيراني كذلك جاء لأن الاتفاق بمثابة ضامن دولي بعدم التعرض العسكري لها، الذي أوشك أن يحصل خلال الأعوام من 2003 - 2006 بدفع من إسرائيل.
بعض المحللين المؤيدين للاتفاق، يؤكدون أنه لم يكن لإيران أن تفكك برنامجها النووي لأي سبب كان، لولا الضغوطات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أنه اتفاق ناجح يطوي صفحة مقلقة إلى أجل مسمى بعيد، وهذا صحيح. كلنا بات يعرف أن إيران كانت على مسافة أشهر قليلة من امتلاك قنبلة نووية قبل أن توقف أنشطتها من أجل بدء المفاوضات. أما المتشائمون، فيتخوفون من أن إيران التي لوثت المنطقة بالطائفية، وملأتها بالميليشيات والأسلحة والنزاعات، قد أصبحت أقوى بالانفراجة المالية التي صاحبت الاتفاق، وهذا يعني بالضرورة زيادة ضراوتها في زعزعة أمن المنطقة. من وجهة نظري أن هذا الاستنتاج ليس دقيقًا.. ليس بعد الأحداث الأخيرة. عربدة إيران في المنطقة أو تعقلها غير مرتبطين بشكل أساسي بوضعها الاقتصادي، بل بالموقف الدولي من سلوكها في الإقليم؛ في سوريا والعراق واليمن والبحرين، وبالذات من جهة الولايات المتحدة. أوباما أعلن في اليوم نفسه لرفع العقوبات عن عقوبات جديدة بسبب تجربتها على صاروخ باليستي؛ نسخة مطورة من «شهاب3»، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد شككت فيما إذا كانت هذه التجربة تشير إلى خرق لمضمون الاتفاق أم لقرار مجلس الأمن اللاحق الذي حظر عليها القيام بتجارب مماثلة، وبالتالي تحديد طبيعة التداعيات القانونية المترتبة عليه، فجاء قرار واشنطن بتبني عقوبات جديدة كرسالة بأن أوباما مستمر في سياسة التوازنات الإقليمية، وأن هذه الفرصة التي أتيحت له للتخلص من التهديد النووي لن تكون على حساب حلفائه في المنطقة.
إيران ما بعد العقوبات هي كالتالي: بلد منهك القوى؛ داخليًا بفعل ضعف التنمية ومعدل الفقر المرتفع، وخارجيا لأن ثلث ميليشياته غارقة في مستنقع اليمن، وثلثها الثاني يناضل لينجو في سوريا، والثالث يسطر أبشع صور الإرهاب في العراق أمام أنظار العالم. كما أن عودتها لسوق النفط، كما أشرت في مقالي السابق، وافقت توقيتًا بالغ السوء، وأصبح اليوم أسوأ مع خبر رفع العقوبات ليصل سعر برميل النفط إلى ما دون 25 دولارًا، أي ثلث الحد الأدنى الذي تحتاجه إيران، وهو 70 دولارًا للبرميل، لخمس سنوات مقبلة لإنعاش وضعها الداخلي. حتى أموالها المجمدة التي يظن بعض المتحمسين أنها ستصنع من إيران ماردًا عظيمًا، لن تكفيها لصيانة مطاراتها وطائراتها المعطلة منذ سنوات.. هذه جملة من الأوهام صنعتها ماكينة الدعاية الإيرانية وجماعتها في الشرق والغرب، مثلما صنعت أوهام الانتصارات الإلهية لميليشياتها في غزة ولبنان.. بل ومن رداءة حظها، أن علاقاتها بدول المنطقة ساءت بعد اعتداء الحرس الثوري على السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد، إثر إعدام السعودية لنمر النمر السعودي، فانقطعت الصلة بين البلدين بكل منافعها، والإمارات العربية المتحدة، الشريك التجاري الكبير الذي يستحوذ على 80 في المائة من التبادل التجاري مع إيران، خفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي تضامنًا مع الموقف السعودي. حتى الشركات الأميركية لا يتوقع أن تفتح لها مكاتب في طهران أو أن يكون لها حضور ملموس هناك بسبب انعدام الثقة لسوابق تاريخية، خاصة مع فيلم «Argo» الذي أنتج قبل ثلاث سنوات وأعاد للأميركيين ذكرى هجوم الإيرانيين على السفارة الأميركية وقت اندلاع ثورة الخميني، ثم مؤخرا بتعرض جنود أميركيين لإهانة متعمدة معلنة من قوات إيرانية احتجزت قاربهم.
السؤال المهم المقبل: مع من سيتعامل التجار والمستثمرون الأجانب؟ هناك عدة أقطاب تحكم إيران؛ هل مع المرشد الإيراني وفريقه، أم الرئيس روحاني، أم الحرس الثوري والباسيج؟ إيران من الناحية الدستورية ليست دولة سيادية كبقية دول العالم.. هي دولة مذهبية، قائمة على مذهب ديني، إيران دولة بلا رأس، حتى المرشد فيها تنصبّه جماعة مختصة، التي بدورها يعينها فريق آخر يعينه المرشد! نظام حكم دائري وليس هرميًا.. كل هذه الترتيبات تستلزم زمنًا وضمانات.
حتى تمر عشر سنوات على الأقل، لن تستطيع إيران أن تستعيد قواها وتأخذ نفسًا عميقًا، وإلى ذلك الحين على دول المنطقة، خصوصا الخليج، أن تتحسب بوضع استراتيجيات اقتصادية وتعليمية تؤهلها لتكون صاحبة اليد العليا في إدارة شؤونها، وصد التهديدات الخارجية المتوقعة، دون الاتكال على الآخرين.


[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة