هل ينهار فضاء «شينغن»؟

هل ينهار فضاء «شينغن»؟

الأحد - 7 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 17 يناير 2016 مـ رقم العدد [13564]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
«العمليات الإرهابية أرحم من التحرش بالنساء واغتصابهن»، كتب الأكاديمي الفرنسي لوران بوفيه، تعليقًا على ما شهده وسط مدينة كولونيا، ليلة رأس السنة، من اعتداءات مخجلة، طالت عشرات النساء، وتبين أن هذا السلوك المشين لرجال عرب، تكرر في مدن ألمانية عدة وسويسرية وفنلندية. الشكاوى لا تزال تتكشف، وأعداد المتضررات يتصاعد بمفعول رجعي، حتى شبهت الحوادث الأوروبية، المعيبة، المتكررة، في تلك الليلة وسط التجمعات الغفيرة، بما عرفه ميدان التحرير مع بدء الثورة المصرية.
ردود الفعل متواصلة، الغضب يتصاعد مع كل خبر جديد يذاع، وثمة من يتهم حكومات بالتكتم على جنسيات المعتدين، خشية وحذرًا. ويرى البعض أن المخاوف من المهاجرين بعد أن كانت أمنية، يمكن أن تردع بحواجز وتفتيش وتبادل معلومات، صار الرعب «ثقافيًا» ويوميًا، حياتيًا، وأصبح كل مهاجر بحاجة إلى خفير ليضبط سلوكه. وبداية الغيث في ألمانيا، حيث منعت إحدى البلديات الرجال المهاجرين من دخول مسبح عمومي، لحماية السيدات، من نزق الرجال السمر.
أن يتحول الرجل العربي إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه الناس، أو خطر وجودي على حرية النساء في مجتمع مضيف، لا يتوانى عن نعت إناثه بـ«العاهرات»، هو من أقبح الأخبار، حقًا.
الهجرة لم تتوقف، لا يزال ألفا مهاجر يصلون إلى الشواطئ اليونانية كل يوم. وبحساب بسيط، قد تضطر أوروبا إلى استقبال مليون مهاجر إضافي، عام 2016، في حال لم تتفاقم الأوضاع وتشتد مأساويتها. تتفنن أوروبا في كبح موجات المهاجرين المستشرسين. تعمل الدنمارك على سن قانون سبقتها إليه سويسرا، يقضي بمصادرة ممتلكات المهاجر التي في جعبته، وإيوائه وسد رمقه، بما يحمل، وإلزامه دفع ضريبة تصل إلى 10 في المائة من مدخوله طوال عشر سنوات من إقامته، ظنًا بأن هذا الإجراء قد يكون رادعًا، بعد أن وصلت طلبات اللجوء إلى 40 ألفًا العام الماضي في سويسرا.
الحدود عادت لترتفع من جديد، بين الدنمارك والسويد، وألمانيا. هل بدأ يسقط فضاء «شينغن» تحت ضربات المهاجرين العاصفة؟ حتى اليسار الأوروبي يشطح يمينًا وبتطرف، دون أن يغير اسمه. المرأة الطيبة أنجيلا ميركل، تخاطب شعبها بخجل الآسف على ما ارتكبت من عطف، في غير محله. لا بد أن الزعيمة الأكثر نبلاً في أوروبا، تشعر بالندم اليوم، وهي تعرف أن نصف شعبها ينتابه الخوف من سياساتها الإنسانية الحماسية، وأن شراء الأسلحة بين مواطنيها، بلغ حدًا قياسيًا، لإحساسهم، أنهم باتوا بحاجة للدفاع عن أنفسهم بأيديهم.
رئيس الوزراء الهنغاري المتطرف فيكتور أوروبان، أول من رفع حائطًا صلدًا، في وجه النازحين، صار مضرب مثل، للزعيم الأكثر حكمة بين نظرائه، بعد أن اتهم بالعنصرية والفاشية، قبل ستة أشهر فقط. كم هي سريعة الأحداث ومفاجئة؟ السويد التي كانت الأكثر كرمًا، حولت حدودها إلى مصفاة، ولم تعد تعبأ بآلاف الدنماركيين الذين يعملون على أراضيها، وينتقلون إليها كل يوم، وسط حالة من التأفف والنكد، لطول الصفوف وهدر الوقت في المراقبة والتدقيق.
لم يعد احترام قوانين الاتحاد الأوروبي المشتركة أولوية عند أحد. ليس هذا وقت الترف والتنظير للحريات والفضاءات المفتوحة. ما بين مطرقة الاقتصاد وسندان الأمن الذاتي، تختار كل دولة أوروبية خلاصها الوطني المستقل عن جاراتها الشقيقات. سياسات الانعزال تغلب المصالح المشتركة. نزوع يخيف حكماء أوروبا وذوي الرؤى المستقبلية الذين يخشون أن ينتهي الأمر من خلافات محدودة، إلى صدامات، لا تحمد عقباها. هناك من يتذكر ثلاثينات القرن الماضي، وما تبع تضارب المصالح من حروب مدمرة.
اجتماع في بروكسل يعقد، هذا الأسبوع، لمناقشة القرارات البولندية للحكومة الجديدة، المتشددة، التي تذكّر بممارسات حزب البعث الاستبدادية. اليمين المتطرف في السلطة لا يعبأ كثيرًا، بالقوانين الأوروبية. وسائل الإعلام الرسمية باتت تحت جناحيه ورقابته على الطريقة الشيوعية، القوانين القضائية أخذت تغرد خارج السرب، وبروكسل تخشى من انفراط العقد الاتحادي بدءًا من بولندا.
يتعاضد الأوروبيون، على طريقة «كلنا شارلي» في الظاهر، وينكفئ كل منهم على ذاته في واقع الأمر، بحثًا عن حلول مؤقتة تقيه شر العاصفة الهوجاء الآتية من الضفة الأخرى للمتوسط. مع الذكرى الخامسة لانطلاق الشرارة الأولى للثورات العربية من تونس، يبدو المشهد بائسًا وحزينًا، ليس للعرب وحدهم بل للأوروبيين أيضًا، الذين ظنوا أنهم متفرجون، فإذا بهم في قلب المعمعة.
في الوقت الذي لا يلتمس فيه أي بصيص ضوء يرجى، من اجتماع جنيف المقبل بخصوص سوريا، ولا يبشر الجحيم العراقي بأمل يلوح في الأفق، تتمنى ميركل ومعها كثيرون في أوروبا - وربما جاءت تمنياتهم متأخرة جدًا - أن يتوقف الخراب العربي الذي بدأت شظاياه تصل إلى القارة العجوز. وتحلم روسيا بأن تخرج من المستنقع السوري بأقل الأضرار لحظة صار سعر برميل البترول في أدنى مستوياته، وكسادها الاقتصادي، يهدد الفقراء للسنة الثانية على التوالي.
بعد خمس سنوات من احتفائنا، ببدء تحرير العرب من الطغيان، تعرفت بلجيكا على قرارات منع التجول، وتعيش فرنسا في حالة طوارئ وعسكرة غير مسبوقة، وتدرس بريطانيا إمكان خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتدير دول أخرى في كنفه، ظهرها لقوانينه دون أن تعلن ذلك جهرًا. ومن مهازل الأقدار أن تستعطف أوروبا تركيا، وتغريها بقبول دخولها الاتحاد وهو يتصدع، وفوق ذلك ثلاثة مليارات دولار، مقابل أن تلجم، ولو جزئيًا، تسونامي اللاجئين المتنامي. وكانت تركيا، قبل ثوراتنا، على استعداد لدفع أضعاف المبلغ للأوروبيين لتحظى برضاهم وإشارة خجولة مرحبة من بنانهم.
حقًا، ما كان للبوعزيزي أن يعرف في تلك اللحظة اليائسة، أن النيران التي تلهب جسده الغاضب، الواهن، لن تنطفئ قبل أن تحرق أجسادًا وأحلامًا كثيرة، وعلى مد النظر.

التعليقات

حسان التميمي
البلد: 
السعودية
17/01/2016 - 11:14

حرق البوعزيزي نفسه ،فحرق بعض ابناء جلدتنا كرامتنا ، فالمفاهيم لديهم مختلطة ومتداخلة ، فيحسبون ان التحرر في دول الغرب لا حدود له ويشمل الإغتصاب ، وبمعنى آخر يظنون بان الإغتصاب جزء من التحرر الجنسي دون ان يعلموا بان القانون يعاقب على مثل تلك الافعال عقوبات كبيرة من سجن وغرامات فلكية .
نختلف مع الغرب بكم التحرر لديهم ، ولكن يتعين علينا ان نفهم العلاقات الحميمية تتم بالتراضي بينهم ، اي ان افعالهم مقننة ضمن القبول المتبادل ،وما دون ذلك يقول فيه القانون كلمته الموجعة ، وهذا يقودنا إلى الرجوع لخمس سنوات عندما اندلعت ثورات الخريف العربي وكانت الحرية من اولويات مطالبها ، فهل التحرش الجنسي والإغتصاب جزء من الحرية التي هبت ثورات العروبة من اجلها ،الا يجعلنا ذلك نعيش بحالةأسى لأننا نقع بين مطرقة جهل شريحة من الشعب ،وسندان قمع الحكام وطغيانهم ؟

عماد عمصي
البلد: 
جازان
17/01/2016 - 12:47

خلهم ياخدو بشار لاجئ وماراح يحتاج قرارات وازمة لاجئين الحل بيدكم اقنعو روسيا باخراج الاسد وحل الازمه وكل شي بيرجع كما كان وافضل وكل لاجئ بحب بلده مهما كان وهم خرجوا منها مكروهين وليس برغبتهم من هالنظام الطاغي

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة